ألف سنة قبل، وألف سنة بعد..

الدكتور نقولا زيادة مؤرخ معروف. فلسطيني من الناصرة، ولد في دمشق في الثاني عشر من شهر شباط عام 1907. حصل على دكتوراه في التاريخ الاسلامي. من جامعة لندن عام 1950. عمل استاذاً للتاريخ العربي: الكلية العربية والكلية الرشيدية في القدس 1939 – 1947. الجامعة الاميركية في بيروت 1949 – 1972. الجامعة اللبنانية 1973-1976 و 1978 – 1981، الجامعة الأردنية 1976 – 1978. وكان أستاذ زائراً في جامعة هارفارد… وجامعة الكويت، وجامعة عين شمس، وكلية اللاهوت في بيروت.
ألف 27 كتاباً بالعربية منها: “اسلاميات و”عربيات” و”شاميات” و”لمحات من تاريخ العرب” و”القومية والعروبة” و”رواد الشرق العربي في العصور الوسطى” و”عالم العرب” وغيرها. وله ثمانية كتب بالانكليزية، وترجم لأرنولد توينبي كتاباً نشره بالعربية تحت عنوان “تاريخ البشرية”. تحت عنوان “شريط التطور الفكري في الشرق الأدنى القديم (1000 ق.م الى 1000 م) نشرت جريدة “الحياة” 29 تشرين الثاني / اكتوبر 1996، دراسة في ثلاث حلقات يبين فيها الدكتور زيادة الى ان تطور الفكر والفعل الحضاري في منطقة الهلال الخصيب مر في ثلاثة مراحل:
(1) مرحلة سيادة الفكر الآرامي التي امتدت من حوالي السنة 1000 قبل الميلاد حتى سنة 334 ق.م. سنة عبور الاسكندر لمضيق الدردنيل، التي بدأت وللمرة الاولى في التاريخ موجات الغزو الغربية تجاه الشرق.
(2) المرحلة الهيلينية – الرومانية، وتمتد على مدى تسعة قرون: من ظهور الاسكندر عام 334 ق.م. الى ظهور الفتوحات العربية – الاسلامية في الشام وفي العراق.
(3) المرحلة العربية – الاسلامية – بدأت بظهور الجيوش العربية في الشام عام 634 م الى نهاية القرن العاشر الميلادي.
في بداية المرحلة الأولى كان تعرّف الانسان على الحروف الهجائية في بلاد الشام والرافدين قد ادى الى تسارع في التطور الفكري للانسان. وكانت الدولة العسكرية الممثلة بالامبراطوريات تنهار أمام مفهوم الدولة – المدنية التي فيها، كانت تتكثف، وتحتمي الحضارة بمقوماتها الاساسية. وهكذا أصبحت لغة المدن الآرامية “لغة الادب والدين إلى درجة كبرى” ولم يقتصر انتشار الفكر الآرامي على منطقة الهلال الخصيب فقط، ولكنه امتد غرباً الى بلاد اليونان، وانطباع البلاد الاغريقية بالانجازات الفكرية لبلاد الهلال الخصيب يسميه الدكتور زيادة “تمشرقاً” ، وكان من نتائجه “انتشار الكتابة الهجائية الى تلك الديار، واقتباس الفكر الهيليني لبعض الافكار التي وردت في الاساطير السومرية والبابلية، كما ظهر ذلك جلياً في ملحمة “الألياذة” لهوميروس، ويصف الدكتور فيليب حتي هذه الظاهرة فيقول: “وحسبنا نشير الى تلك الرموز السحرية – حروف الهجاء الفينيقية – التي تعد بحق اعظم اختراع حققه الانسان. وبواسطة هذه الحروف أشاد الاغريق من كنوز عبقريتهم الادبية والفلسفية صرحاً لا يقدر بثمن. وقد أخذ الرومان هذه الحروف الهجائية عن الأغريق، فدونوا بها قوانينهم المشهورة التي اتحفوا بها العالم المتمدن. وفي الوقت ذاته كان الشعب الارامي – سكان.
سورية القدماء – ينشرون هذا الحرف الفينيقي بين الفرس والهند والأرمن”. (تاريخ لبنان ص 6-7) ويجزم الدكتور حتي بأن الفينيقيين كانوا أساتذة للأغريق في كل شيء.
بقيت حضارة بلاد الرافدين وبلاد الشام حية، الى حد ما، خلال السيطرة الفارسية، إلا أن الأمور تغيرت في المرحلة التالية، مع ظهور الاسكندر “كان الاسكندر يحلم في أن يوحد الشعوب التي احتل بلادها، اجتماعياً وثقافياً وسياسياً… وكان يرى أن التوحيد يجب أن يكون على اساس نشر الحضارة اليونانية، بكل ما عندها وفيها ” وقد حذا حذوه قواده الذين خلفوه كـ “سلوقس الأول” الذي أنشأ الدولة السلوقية في بلاد الشام. وقد أحرق الاسكندر مدينة صور ودمر غزة. ومع أنه وخلفائه السلوقيين كانوا قد بنوا كثيراً من المدن التي بنيت أصلاً، وعدد من المدن التي جددت، أسكنها السلوقيين يونانيين والمكدونيين… رغبة في الافادة من البحبوحة الاقتصادية التي عرفتها المنطقة خلال ايام السلوقيين”. وهكذا كانت المنطقة تتعرض لأول هجمة غربية استعمارية سبقت الهجمة الصليبية والاستعمار الاوروبي الحديث بعشرات القرون. وكانت المنطقة أيضاً تتعرض لأول هجمة استيطانية سبقت الهجمة الصهيونية بأكثر من ألفي سنة.
وحمل اليونان معهم لغتهم وأدبهم وفلسفتهم وعلومهم وفنهم “إلا أن الارامية ظلت لغة أكثر السكان خصوصاً في الداخل وفي شمال أرض الرافدين، واحتفظت المدن الفينيقية بلغتهاالوطنية، مع استعمالها لليونانية”. ورغم سيادة الفكر الاغريقي فقد برز علماء ومفكرون من المنطقة كـ “زينون” الصوري الأصل والذي أسس الفسلفة الرواقية، و”اقليدس” كبير علماء الهندسة الذي ولد في صور وعاش في الاسكندرية، و”انتيباطر” الاديب الصوري اللامع، و”بوزيدون” الاديب الذي عاش في أفاميا، و”نقولاس” الدمشقي، و”انطيوخوس” العسقلاني هذا الفيلسوف الذي أصبح رئيساً للأكاديمية في أثينا”.
وما أن خلف الرومان اليونان في حكم المنطقة حتى بدأت حركة تلاحم حضاري لم يسبق لها مثيل. وقد “حمل الرومان معهم الى المنطقة اللغة اللاتينية التي أصبحت لغة الدولة”. إلا أن المنطقة ظلت حية”.
وجاءت الامبراطورية الرومانية فأضافت أموراً ذكرناها الى تجارب سكان المنطقة. لكنها لن توقف التيار الأصلي الذي كان قد تأصل. وازدهرت مراكز الفكر في المنطقة بشكل لم يعهد من قبل فكان هناك مدرسة القانون في بيروت التي كانت المدرسة الوحيدة للقانون الروماني. وكانت الفلسفة الأفلاطونية الجديدة تنطلق من الاسكندرية، وكان هناك مدرسة جيندسابور، للطب في الاهواز، وكان هناك مدارس فكرية وفلسفية في دمشق وانطاكية وصور وغزة وقيسارية وأوديسيا التي أصبحت فيما بعد الرها، فكان هناك “الغنوصية والفيتاغورية الحديثة والمانوية والافلاطونية الحديثة…”.
إلا أن أكبر ما شهدته المنطقة في هذه الفترة هو ظهور المسيحية وتمركزها في انطاكية والاسكندرية وانطلاقها من هناك الى جميع انحاء العالم، حاملة الدعوة الى عبادة الله الواحد، والى المناقبية في توجهات الفرد الدنيوية، والى العدالة والحرية والأخوة الانسانية في توجهات المجتمعات البشرية.
وتواصلت حركة التمازج الحضاري “حين خرجت الجيوش العربية من الجزيرة في اتجاه بلاد الشام والعراق…” إذ حمل العرب القادمون الى هذا المسرح الكبير معهم أمرين: الاسلام واللغة العربية…” وقد اغتنت المنطقة حضارياً بهم كما اغتنوا بها. والحقيقة وصفها الدكتور زيادة هي :أن فتوح الشام، بعد اليرموك، كان أكثرها صلحاً، الأمر الذي يسَّرَ الاتصال بين الفريقين”.
وحصل تمازج ثم التحام حضاريين بين “المدن والمدارس” التي كانت موجودة كدمشق وانطاكية والاسكندرية وجنديسابور وبين المدن التي بناها العرب كالبصرة والكوفة وبغداد وأثمر هذا التلاحم إذ أصبحت منطقة الهلال الخصيب بوتقة تلاقت فيه الحضارة العربية القادمة من الجزيرة مع الفكر المسيحي في دمشق وانطاكية. مع العلوم السريانية في شمال سورية، مع المنجزات الفلكية والرياضية للحضارة الهندية ومع التراث الفارسي في الادب والخلقيات ومع التراث الاغريقي في المنطقة. وازدهرت حركة الترجمة، وبلغ الانتاج الفكري والعلمي أوجه في عهود الخلفاء العباسيين الثلاثة: المنصور والرشيد والمأمون. ولما بدأت الترجمة لم تتوقف عند نوع من الأنواع: كان هناك طب وعلم أحياء وهندسة ورياضيات سماوية (علم الهيئة أو الفلك) وفلسفة ومنطق وحتى ما بعد (وراء) الطبيعة”. ويذكّر الدكتور زيادة بـ “أن مآتي الفكر العربي الاسلامي في حقول العلم التطبيقي والنظري كانت كبيرة جداً” وأن هذه المآتي، في القرنين الثاني عشر والثالث عشر انتقلت الى أوروبا عن طريق الأندلس أولاً وصقلية ثانياً… وأن هذا النقل كان في أهميته إحداث النهضة الاوروبية العلمية في القرنين الثالث عشر والرابع عشر”.
أما الفلسفة العربية الاسلامية فـقد كان لها أهمية من حيث أنها غطت النواحي الناقصة في نظام الفكر الفلسفي اليوناني… والواقع. هو ان ابن رشد فسر ارسطو بالعربية والتفسير اقتضى اضافات، ومع ذلك فإن هذه الاضافات الفلسفية على ما كان توصل إليه فلاسفة اليونان كانت من العوامل الرئيسية التي حركت الفكر الفلسفي الاوروبي”.
والخلاصة ان بلادنا في تدفقها الحضاري قدمت للغرب، في القرون العشر قبل الميلاد، الحرف والفلسفة فأرسل لها الغرب الاسكندر غازياً يحرق المدن وإن بنى فليستوطن، وقدمت له علوم الطب والرياضيات والفلسفة في القرنين التاسع والعاشر الميلاديين ليرسل إليها الغرب الغزاة الصليبيين. وقدمت إليه، من خلال الأندلس، الفكر والعلوم ليعود إليها في أوائل القرن العشرين في غزوة استعمارية وموجهة صهيونية استيطانية”.

د. جورج يونان، مجلة “الحكيم” العدد رقم 8 و9 شتاء / ربيع 1997