المرأة العربية: ذهب الذكر وذبيحته؟

في النقاش حول حرية المراة، ثمة تركيز على الحجاب من قبل الذهنية الأصولية، محمدية كانت أم مسيحية، معتبرةً الحجاب لباساً اسلامياً. وقد انحى الاستاذ محمد شحرور باللائمة على فقهاء القرن السابع الميلادي وما بعده ومنهم الإمام الشافعي. إذ اعتبروا الثقافة العربية لهذا القرن والقرون التي تلته، بتقاليدها وعاداتها وسلوكيتها، جزءاً من الدين وجعلوا هذه الثقافة، بتفاصيلها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، شرعاً اسلامياً. فبرأيه “ليس هناك شيء اسمه لباس اسلامي. هناك لباس عربي ولباس هندي وأفغاني وما يسمى اليوم الحجاب الشرعي، هو لباس عربي وليس اسلامياً” ويتابع: “فيما يخص الحجاب فإنني اعتبره كمفهوم وغطاء للرأس ليس له علاقة باسلام ولا بإيمان، بل هو من العادات القومية والمحلية ويتبع أعراف المجتمع في شكل كامل”. (جريدة النهار. الملحق الثقافي في 5 آب 2000).
حبذا لو أن الدكتور محمد شحرور دعمَ استنتاجاته هذه بالتطور التاريخي للحجاب، فهو أولاً يعجز عن العودة الى كيفية ظهور الحجاب وتطوّر مفهوم الشعوب إليه عبر الازمنة التاريخية، كما سنرى، فتجنى على الامام الشافعي وفقهاء القرن السابع إذ أن الحجاب كان قد أصبح ملازماً لبعض الاعتقادات الدينية قبلهم بقرون عديدة. وثانياً، ومع انه في سياق محاولته نفي الصفة الدينية للحجاب، فقد اعتبره مجرد غطاء أو لباس محلي ليس له أية صفة تعبيرية، ,والحقيقة أن الحجاب كان له صفة تعبيرية . إن الحجاب في أول نشأته التاريخية لم يكن لباساً مرتبطاً بشعائر دينية، لا ولا كان مجرد غطاء للرأس. الحجاب في البدء كان مظهراً من مظاهر تعبير المرأة حبها وإخلاصها للرجل، كما هو الخاتم في بنصر الزوجين الذي ما زال سائداً حتى اليوم. وحب وإخلاص المرأة والرجل لبعضهما، مهما كان التعبير عنهما، أصبحا مقولة سماوية باركتها كل التجارب الروحية لإنسان منطقة الهلال الخصيب، والسبب يعود الى طبيعة شعوب الشرق القديمة التي عاشت في الجزيرة العربية ، في الهلال الخصيب وعلى ضفاف نهر النيل. الطبيعة التي اتصفت بالتدين، وربطت كل شيء بالدين، إذ “يجمع كل المؤرخين على ان شعوب الشرق القديم عاشت وتطورت دائماً في جو من التدين. ففي مصر وفي بابل – آشور – كلده، وفينيقيا كان الدين أساس المجتمع، هو ملهم الفن والقانون والمؤسسات ويسم بسمته الحياة بأسرها”. (جواد بولس، شعوب الشرق الأدنى وحضارته، الجزء الأولص 149). إن الحجاب لم يستخدم في أول عهده كقفص لخنق انفعالات المرأة العقلية والجسدية وكأنها عنصر تهديد للمجتمع، وإنما استعملته المرأة كتعبير لولائها لزوجها، وهو التعبير الوحيد الذي ساد في ذلك الوقت. وبهذا المفهوم فإن تركيز الأديان كان ولا يزال على هذا الولاء، وليس على وسائل التعبير عنه التي قد تختلف وتتغير من عصر الى عصر، والولاء شعور متبادل لا يشرّع وفي ماهيته لا يعترف بأي سلطة إلا سلطة الحب التي في ممارسة الانسان لها، باركها الله وأجازتها الاديان والتجارب الروحية المتعددة على مدى العصور، الحب شيء طوعي، السعادة فيه ليست بتقييد الآخر رجلاً كان أم امرأة وإنما المشاركة في كل شيء في الحياة جسدياً ومادياً وروحياً وعلى السراء والضراء. وعودة الى التاريخ والى تجربة الانسان ترينا أن الحجاب عهدته شعوب الهلال الخصيب والجزيرة العربية منذ أقدم العصور. ويورد الدكتور فيليب حتي عن الإلهة السورية أتارغاتس atargatis زوجة الإله حدد بأنه كان ” هناك نموذج غريب لأتارغاتس على النقود من هيرابولس حيث تظهر محجبة. ووجدت صور أخرى كثيرة لأتارغاتس المحجبة. وتظهر رسوم نساء محجبات بحجاب ثقيل يشبه حجاب أي مسلمة محافظة اليوم على نقش من معبد بعل في تدمر وفي لوح منحوت من دورا اوريس. وترينا بعض الأثار الأخرى الرأس محجباً. ويبدو أن الحجاب كان في الشرق القديم رمز المرأة المتزوجة ولباسها المفروض. وكان التشريع الآشوري من منتصف الآلف الثاني ق.م. يتطلب من نساء الرجال الأحرار وبناتهم أن يغطين رؤوسهن حين يخرجن الى الشارع”. (فيليب حتي. تاريخ سورية، ص 188). هذا الرمز، الذي هو تعبير عن حب أصبح، مع الزمن، مرادفاً للحشمة، وأصبح فضيلة تبنتها الأديان بسبب ما ذكرنا من طبيعة شعوب المنطقة في إضفاء صبغة دينية على كل فضيلة، وقد تبنى هذا أيضاً المجتمع النبطي. واستمر في المسيحية كديانة ظهرت في الهلال الخصيب، ومن خلال بولس الرسول الذي كان ينتمي الى المجتمع النبطي نفسه. يقول في رسالته الى طيموتاوس: “وأريد أن يكون على النساء لباس فيه حشمة وزينة فيها حياء ورزانة، لا بشعر مجدول وذهب ولألئ وثياب فاخرة، بل بأعمال صالحة تليق بنساء تعاهدن تقوى الله”. هذا الارتباط بين الولاء والحشمة بقي الى اليوم تتبعه الراهبات المسيحيات اللواتي يغطين أجسامهن ما عدا الوجه كولاء للمسيح خطيبهن الروحي وهن بهذا المعنى يحملن خاتماً في بنصرهن كتعبير عن هذا الارتباط بالعريس الروحي. والخاتم، كما ورد ذكره، لا يزال مظهراً من مظاهر ارتباط الزوجين تتبعه الشعوب بمختلف دياناتها. هذا الارتباط قال به الاسلام أيضاً فقد جاء في سورة الأحزاب قوله تعالى: “يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن، ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين، وكان الله غفوراً رحيم”. وفي سورة النور قال تعالى: “وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن، ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها، وليضربن بخمورهن على جيوبهن، ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن، أو آبائهن، أو آباء بعولتهن، أو أبنائهن، أو أبناء بعولتهن، أو أخواتهن، أو بني إخوانهن، أو بني أخواتهن أو نسائهن، أو ما ملكت أيمانهن، أو التابعين غير اولي الأربة من الرجال، أو الطفل الي لم يظهروا على عورات النساء، ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن، وتوبوا الى الله جميعاً لعلكم تفلحون”. إلا ان الاستاذ محمد شحرور، في تفسيره لهذه الاية يقع في خطأين الأول افتراضه أن هناك حد أدنى للباس المرأة، والثاني اعتباره ان مفهوم الحشمة هو حصيلة اعتبار بأن في جسد المراة هناك أقسام محظورة وأخرى غير محظورة.. فهو يقول: “ففي تفسيرنا للآية 31 من سورة النور وهي أية الحد الأدنى للباس المرأة، فهمنا أن جسد المرأة كله زينة، والزينة هنا حتماً ليست المكياج والحلي وما شابه، وإنما هي جسد المراة كله، الذي قسم الى قسمين: قسم ظاهر بالخلق وقسم مخفي. لذا قال تعالى (ولا يبدين من زينتهن إلا ما ظهر منها). والمخفي من جسم المرأة هو الجيوب ” والجيب، مثلما نعلم، فتحة لها طبقتان لا طبقة واحدة. إذاً الجيوب في المرأة طبقتان، او طبقتان مع خِرَقٍ، وهي ما بين الثديين وما تحت الأبطين والفرج والإليتين” وقد أمر الله بتغطيتها. أما الانف والفم والعينين فهي، برأي الاستاذ شحرور، جيوب ظاهرة وهي من الوجه والرأس وهذان يمثلان هوية الانسان ولا يمكن إلا إبدائهما (المصدر نفسه). وإذا كان التفسير الذي يعطيه الاستاذ محجوب عن الجيوب صحيحاً فإن الافتراض بأن القسم المخفي محصور بهذه الجيوب أمر لا يقنع أحداً وبقدر ما هنالك صعوبة في التعميم هناك صعوبة في الحصر، والمرأة ليست جسداً فقط وزينة محصورة في الجسد وإنما هي كلّ وكائن بشري زينته عقل وجسد، كما ان جسد المرأة ليس خارطة ذو مناطق محظورة ومناطق غير محظورة، الحشمة هي عكس الغواية وهذه حالة عدم اكتفاء، هي انثوية بقدر ما هي ذكورية، وقد تؤدي الى الجنوح،. المرأة، كالرجل، كائن حي ذو عقل، مسلمات الحياة بشكل عام، والمجتمع بشكل خاص تنطبق عليهما بشكل متكافئ، وهذا صحيح وخصوصاً في موضوع الحشمة، ونقيضيها الغواية والجنوح. فالدعوة الى الحشمة في القرآن تتوجه الى المرأة بقدر ما تتوجه الى الرجل. هذا الرجل الذي، في احيان كثيرة وبفعل سلطته الذكورية المتكابرة، ينسى الآية 20 التي تقول: “قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك ازكى لهم إن الله خبير بما يصنعون”. فيحاول ان يفرض على المرأة ما لا يمارسه في حياته. ودعوة الكتاب الى المساواة في الفضائل بين الرجل والمرأة تظهر أيضاً في الآية الكريمة، قولة تعالى: “إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدقين والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيراً والذاكرات اعد الله لهم مفغرة وأجراً عظيماً” (سورة الأحزاب 35). وقال الله في اناجيله: “جعلهما الله ذكراً وأنثى. ولذلك يترك الرجل اباه وامه ويصير الاثنان جسداً واحداً”. وفي رسالته الى أهل قورنتس يقول بولس الرسول: “فليكن لكل رجل امرأته ولكل امرأة زوجها، وليقضِ الزوج امرأته حقها، وكذلك المرأة حق زوجها. لا سلطة للمرأة على جسدها فإنما هو لزوجها، وكذلك الزوج لا سلطة له على جسده فإنما هو لامراته”. هذا برهان آخر على التركيز على الولاء المتبادل بين الزوجين. المساواة بين الرجل والمرأة هي الاساس الذي يقوم عليه بناء العائلة وهو الذي يمنحها القوة ويؤمن لها التماسك. العائلة هي أصغر وحدة اجتماعية، وأية محاولة لتهميش دور أي من عناصرها يجعلها معرضة للقلق والإطِّراب. فليس هناك اختلاف على ارتباط الزوجين ببعضهما وولائهما لبعضهما، ووسائل التعبير عن هذا الولاء (التي كانت منها الحجاب) قد يختلف من زمن لآخر، ومن مكان الى آخر، هذا الولاء يجب ألا ينقلب، بسلطة، ما الى خصوصيات للرجل لا يقرها أي يدن. الولاء تعاقد روحي بين الزوجين تقره كل الاديان السماوية.
وإذا عرفنا المغزى التعبيري الاولي للحجاب وكيف أدخله الانسان الشرقي في القيم والتجارب الروحية المختلفة التي مرت عليه، فكيف أصبح هذا الحجاب خصوصية دينية، وكيف تمكنت الخصوصية الذكورية من استغلاله في تمتين سلطتها، وفي اعتدائها الصارخ على شخصية المرأة وعقلها؟
المشكلة انطلقت من البيت، أو العائلة كأصغر وحدة اجتماعية حيث بدأت المشاركة الاولى بين الرجل والمرأة وحيث نشأت ونمت السلطة ووحدانيتها متأرجحة بين الأمومة والأبوة. في كتابه لغز عشتار يقول المؤرخ السوري فراس السواح بأنه، اعتماداً على عدد من العلوم الانسانية، هناك أدلة كافية على وجود شكل من أشكال العائلة سبق شكلها الأبوي الحديث، لا يقوم على قيم الذكورة وسلطة الأب بل على قيم الأنوثة ومكانة الأم. فالمجتمع الانساني الأول لو يؤسس بقيادة الرجل المحارب الصياد، بل تبلور تلقائياً حول الأم، ثم يتابع فيقول: “في المجتمع الامومي، أسلم الرجل لقيادة المرأة، لا لتفوقها الجسدي بل لتقدير أصيل وعميق لخصائصها الانسانية وقواها الروحية، وقدراتها الخالقة، وإيقاع جسدها المتوافق مع إيقاع الطبيعة. فإضافة الى عجائب جسدها الذي بدا للإنسان القديم مرتبطاً بالقدرة الإلهية، كانت بشفافية روحها أقدر على التوسط بين عالم البشر وعالم الآلهة، فكانت الكاهنة الأولى والعرافة والساحرة الأولى. بهذه الأسلحة غير الفتاكة، مضى الجنس الأضعف قوة بدنية فتبوأ عرش الجماعة دينياً وسياسياً واجتماعياً. وأمام هذه الأسلحة أسلمت الجماعة قيادتها للأمهات. ولقد عزز الدور الاقتصادي للمرأة مكانتها هذه… فقد كان بحق المنتج الأول في الجماعة، لكونها المسؤولة الأولى عن حياة الاطفال وتأمين سبل العيش لهم. كانت المرأة مسؤولة عن تحضير جلود الحيوانات وتحويلها الى ملابس ومفارش وأغطية. كانت النسّاجة الاولى والخيّاطة، وأول من صنع الاواني الفخارية. وبسبب قضائها وقتاً طويلاً في البحث عن الجذور والأعشاب الصالحة للأكل تعلمت خصائص الأعشاب السحرية في شفاء الأمراض، فكانت الطبيبة الأولى. ومن وجود شعلة النار المقدسة في معابد الحضارات المتأخرة، وقيام عذارى المعبد بحراستها والإبقاء عليها مشتعلة، نستطيع الاستنتاج بأن شعلة النار الأولى قد اوقدتها المرأة وكانت أول حارس عليها، حافظ لأسرارها. وأخيرا توجت المرأة دورها الاقتصادي الكبير باكتشاف الزراعة ونقل الانسان من مجتمع الصيد والإلتقاط الى مجتمع إنتاج الغذاء، بينما حافظ الرجل طيلة هذه المرحلة على دوره التقليدي في الصيد والتنقل بحثاً عن الطرائد الكبيرة”. ويتابع الاستاذ سواح فيقول: “مر المجتمع الامومي، عبر تاريخه الطويل، بمراحل متعددة انتهت بالانقلاب الكبير الذي قام به الرجل مستلماً دفة القيادة من المرأة ومؤسساً للمجتمع الذكري البطريركي”. وقد حدث بعد ان ازداد دور الزوج الاقتصادي وبعد أن اصبح هذا قادراً على توريث ثروته لاولاده بدلاً من توريثها لأقربائه الأمر الذي عهده النظام الأمومي والتي كانت الأم تورّث الأولاد (لغز عشتار، ص 31 – 36). والمجتمعات العربية ورثت هذه “الذهنية الأبوية”، الذهنية التي يصفها الدكتور هشام شرابي فيقول: “تتمثل الأبوية الذهنية أول ما تتمثل في نزعتها السلطوية الشاملة التي ترفض النقد ولا تقبل بالحوار إلا اسلوباً لفرض رأيها فرضاً. إنها ذهنية امتلاك الحقيقة الواحدة التي لا تعرف الشك ولا تقرّ بإمكانية إعادة النظر، ومن هذا المنطلق، فإن التفاعل والحوار (بين الأفراد والجماعات) لا يرمي الى التوصل الى تفاهم أو اتفاق بين وجهتي نظر، بل الى إظهار الحقيقة الواحدة وتأكيد انتصارها على وجهات النظر الاخرى. لهذا فإن الذهنية الأبوية (والأبوية المستحدثة)، علمانية كانت أم دينية، لا تستطيع تغيير موقفها لأنها لا تعرف ولا تريد أن تعرف إلا حقيقتها، لا تريد إلا فرضها على الأخرين، بالعنف والجبر إن لزم الامر”. (هشام شرابي، النظام الأبوي وإشكالية تخلف المجتمع العربي، ص16) وتمادت هذه المجتمعات في أبويتها وتطرفت في ذكوريتها الى درجة إلغاء دور المرأة وإخضاعها وتشويه شخصيتها: “يقوم حجر الزاوية في النظام الأبوي (والأبوي المستحدث على استعباد المراة، من هنا كان العداء العميق والمستمر في لاوعي هذا المجتمع للمرأة ونفي وجودها الاجتماعي كإنسان والوقوف بوجه كل محاولة لتحريرها، حتى عن رفع شعار تحرير المرأة. هذا المجتمع لا يعرف كيف يعرّف ذاته إلا بصيغة الذكورية وصفتها. ليس للأنوثة من وظيفة فيه إلا تأكيد تفوق الذكر وتثبيت هيمنته. من هنا كانت العقبة المركزية في وجه التغيير الديموقراطي الصحيح في هذا المجتمع. ففي غياب المساواة بين الرجل والمرأة ينتفي مبدأ المساواة إطلاقاً”. (شرابي. نفس المصدر). وقد تغالت هذه الذهنية وجنحت في أبويتها وذكوريتها الى درجة الإغتصاب: “الاغتصاب الذكوري”، الذي يتحكم بجميع نشاطات المجتمع السياسية، والثقافية، والاقتصادية. والإلغاء والإخضاع والتخوين هي ظواهر تطبع المسلكية الثقافية والسياسية للذهنية الأبوية.
تتساءل الشاعرة سعاد محمد الصباح (الحياة. 27 آذار – مارس 1999: “لماذا لا نقفل ملف المرأة نهائياً؟…. ففي هذا العصر الذي يمر في تحولات عميقة في ميادين التنمية والتخطيط والتصنيع، لا بد من الاستفادة من كل طاقات المجتمع. فليس في ميادين الفكر والعلم ذكر أو أنثى، وإنما هناك انسان واحد يؤسس مجتمع العقل والعدل والمساواة، لماذا نقبل أن تجلس المرأة معنا في حجرة الطعام وحجرة الاستقبال، وتتقاسم الفراش والمرض والشيخوخة، ونرفض أن نعطيها مقعداً في قطار الدولة؟ لماذا نتغزل بعينيها السوداوين طوال الليل، حتى إذا طلع الفجر شربنا فنجان قهوتنا بسرعة… وقرأنا جرديتنا بسرعة… ونسينا العينين… وصاحبة العينين؟ … لماذا نكتب لها رسائل العشق قبل الزواج، حتى إذا تزوجنا، وضعناها في الإقامة الجبرية، وتصرفنا معها كما يتصرف الاستعمار مع شعوب أفريقيا؟… وإذا ناقشنا المسألة، لغوياً، وجدنا جميع مفردات الحكم مؤنثة… فالحكومة أنثى… والسلطة أنثى… والإدارة أنثى… في حين أن جميع صفات القمع والارهاب والاستبداد والشنق والذبح والقتل والسحل… هي صفات مذكرة. لا يليق بنا أن نحاكم كل يوم امهاتنا، وشقيقاتنا، وبناتنا وزوجاتنا بتهمة القصور العقلي. وإذا كنّ أميات أو منطفئات الذهن… فلأن الرجل الذي خرجن من تحت عباءته أمّي، ومنطفئ الذهن… هذا هو الواقع، وهو واقع مشلول وكسيح، كونه يمشي على قدم واحدة… فالمرأة مطلوب منها أن تكون ولوداً… وخصبة… وكثيرة النسل… إنهم يفضلونها ساخنة… ولا يريدونها باحثة، أو عالمة، أو مفكرة، يفضلونها صامتة ولا يريدونها مجادلة… أو مناظرة… أو متحدثة. يريدونها خرساء… وصماء… وبكماء… لأن المرأة المعاقة هي مثلهم الأعلى… يريدونها زوجة بالأجرة… أو جارية بالأجرة… لأنهم لا يقبلون المشاركة في كل شيء… ويرفضون قسمة الحياة على اثنين… يريدونها بلا عقل… ولا ذكاء… لأن عقل المرأة ضد الأمن القومي، وضد الأمن الاقتصادي، وضد الأمن الثقافي… وضد الأمن الاجتماعي… المرأة هي جدول المياه المهدورة، والطاقة الممنوعة من الطيران في أي اتجاه، ومنجم الذهب الذي لا يزال مخبوءاً في أحشاء الأرض. فمتى نفتح نافذة للواتي يفتقدن الضوء، ويفتقدن الحرية؟؟…” وتعتقد الكاتبة المغربية فاطمة المرئيسي بأن تنظيم مجتمعنا سمح للرجال بالتصرف بالنساء وكأنهن من ممتلكاتهم الأخرى وعملية إصلاح المجتمع لا تتم إلا إذا أخذت في الاعتبار حرية المرأة وعدالتها الاجتماعية، فيجب المساواة بين المرأة والرجل في جميع مراحل العمر منذ الولادة حتى الممات، مساواة في الحقوق والواجبات، خارج المنزل وداخله، وفي تربية الاطفال. لا بل انها في دعوتها الى السماواة تأخذ موقفاً جريئاً إذ تطالب بالقضاء على احادية القطب الجنسي بإقامة حب حقيقي عارم بين القطبين يشبع الاحتياجات الجنسية والعاطفية والفكرية لكلا الطرفين: الرجل والمرأة. هذا المفهوم قد يعتبره البعض تحرراً حتى لا نقول جنوح، ولكنه في الحقيقة أمر قدسته الاديان السماوية كحق بشري للزوجين على السواء.
يقول الاستاذ تركي علي الربيعو (الناقد. القبض على الإله. عدد 71 عام 1994) بأنه “في معظم ملاحم الخلق، يرتبط الشيطان بالمرأة. ويعطي مثلاً ارتباط “كانكو” قائد جيش الكلاب المسعورة والأفاعي والوحوش المروعة بالإلهة الأم “تيامة” في الملحمة البابلية، وارتباط إبليس بحواء في القصص التوراتي. ويقول أيضاً بأنه “في معظم ملاحم الخلق يشكل العنف بنية الملحمة” وهو عنف مؤسس ومقدس، يتطلب ضحية، إذ “لا ديمومة بلا ذبيحة” فصور المرأة والشيطان والذبيحة تتوحد في الطقوس الذكرية. وهناك مسلمة ضمنية في مجتمعاتنا، تعتبر المرأة – برأي الاستاذ فاضل الربيعي (الناقد. المذبحة السرية. العدد 76 عام 1994) بأنها “خائنة وشريرة وماكرة”، وهي لذلك موضوع “للمراقبة البوليسية في الجانب السري العاطفي والجنسي من نشاطها في المجتمع”. إنها أيضاً “فرد متنكر يهرب أو يتخفى من سلطة الرجل، خلف حجاب، فهي بالنسبة إليه مطلوبة لقانون عدالة غامضة، عدالة النظام التضحوي القديم الذي أسسته الذكورية على مر التاريخ وبموجبها تتم عملية تقديم الفرد أضحية في سبيل نجاة الجماعة”. ويتابع الاستاذ ربيعي فيقول: “ان التعرف جيداً وبعمق بفكرة (الأصولية) الراهنة عن المرأة المسلمة، لن يكون ممكناً من دون الرجوع الى هذه النقطة بالذات، ففي قلب الصورة المكوّنة للمرأة في الذهن الأصولي ثمة قتل هزلي جرى عبر التاريخ للمرأة، تبدو فيها إما كضحية دينية أو زانية”. هذه الذهنية التي رأت في قتل المرأة قتلاً هزلياً، اعتبرت قتل الذكر قتلاً مأساوياً، وهي ذهنية شعبية طقوسية سبقت الإسلام بقرون. ويقال بأن العرب “ربما عرفوا بالفعل عادة تقديم القرابين البشرية. والثابت مع هذا ان عبادة الإله، القمر(أدد) تضمنت طقساً تقوم الجماعة البشرية المتعبدة بمقتصاه بتقديم الفتيات كأضحيات تدفن في الرمل ليلاً، على أمل أن يخرج الإله قمر ليأخذها”. ونحن نعلم بأن طقس وأد البنات، الذي اقتضى دفنها في الرمل هو طقس جاهلي، ألغاه الاسلام. وأن الناس، في الجاهلية، مارسته في الليل وعلى ضوء القمر، القمر الذي، أيضاً ارتبطت الأنثى به، في الاساطير القديمة. وبهذا الخصوص يقول المؤرخ السوري فراس السواح في كتابه “لغز عشتار” بأن “حياة المرأة الفيزيولوجية والسيكولوجية ذات طبيعة قمرية وإيقاع قمري، فهي مرتبطة بدورة شهرية معادلة لدورة القمر الذي يبدأ هلالاً في أول الشهر ليتلاشى في آخره (نفس المصدر). ومن جهة أخرى، يقال أيضاً بأن كلمة وأد اشتقت من اسم الإله أدد.
ويستمر الاستاذ الربيعي في تحليله فيقول: “في تاريخ الشرق يتماثل الانتهاك ويتعاقب في آلية استمرار مدهشة ومن دون انقطاع تقريباً. مع ذلك فإن هذا الانتهاك لا يكاد يتطابق من الناحية التقنية حتى ان بدا متشابهاً في الحالات التي يقع فيها. ان انتهاك المحرمات، مثلاً، لا يكاد يدرّج، إلا فيما ندر، قتل المرأة في اطاره، بل غالباً ما يقوم بعزل هذا الجانب واستبعاده”. ويتساءل الاستاذ الربيعي: “ترى كيف تم الابقاء على مسألة قتل المرأة بعيداً عن محور الانتهاك الذي لم يكن ليجري إلّا داخل المجتمع كله وضده؟ هذا برغم أن القتل مثّل أقصى شكل من أشكال الاعتداء الذكوري الصريح والمكشوف”. وعملية قتل المرأة من قبل الرجل في المجتمعات الشرقية بشكل عام، وفي المجتمعات العربية بشكل خاص ليست بالضرورة عملية قتل للجسد، ولكنها عملية قتل للصورة والشخصية (character assassination).
وعملية قتل شخصية المرأة تظهر اكثر ما تظهر في التشويه الذي سببته الروايات العربية لشخصية الملكة العربية زنوبيا. الملكة التي يتجاهلها النهج الأصولي رغم تهوسه بالتاريخ والتراث. فالروايات العربية زعمت بأنها الزباء بنت أحد العمالقة العرب عمرو بن الظرب بن حسان بن أذينة بن السميدع بن هوبر، التي خلفت والدها في الملك بعد أن قتله جذيمة الأبرش أحد ملوك الحيرة، وليس هناك شيء عن زوجها أذينة الذي شاركته في بناء أكبر إمبراطورية عربية قبل الاسلام. لا وليس هناك شيء عن الاسرة التي آنشأها والتي كانت مثالاً للتربية الاخلاقية الحسنة ومثالاً للشجاعة والمناقب العالية، وقد صورت الروايات العربية هذه الملكة كامرأة ضعيفة خافت على ملكها وعمدت الى الغواية لحماية عرشها وفي الثأر من عدوها وقاتل أبيها جذيمة ابن الأبرش (تاريخ الطبري. المجلد الأول ص 360-369) أما روايات أعدائها فكانت أكثر إنصافاً وقد “رآها الكافة أجمل وأشجع بنات جنسها، وهي سمراء البشرة، ذات أسنان بيضاء، كاللؤلؤ، وصوت قوي شجي في عينيها السوداوين الواسعتين بريق كبريق النار، في حين تفيض اخلاقها رقة ودماثة تحببانها الى قلوب الرعية. وأما عقلها فكعقل احكم الرجال، قد هذبته وصقلته بالدراسة والقراءة والبحث، فهي تجيد العربية واللاتينية واليونانية والسريانية والمصرية، قد اعدت بنفسها ولنفسها مختصراً لتاريخ شعوب الشرق…” (حسين أحمد أمين.3 أيلول 1999). ويكتب عنها المؤرخ الروماني بوليو “أنها كانت سمراء سوداء العينين بارعة الجمال، تنتقل من مكان الى مكان في العربة أو على جواد أو على الاقدام وكأنها النار نشاطاً. وكانت تقاطيع وجهها شديدة التعبير عما يدور في نفسها من طموح وحب للعظمة وقدرة على تحقيق ذلك. كانت قادرة على ان تظهر بمظهر الطاغية الجبار. ولكنها كانت، الى ذلك، مثالاً للحلم والعدل. كانت تسير في طليعة مشاة جيشها مسافات طويلة، وكانت تجالس القادة وفي المناسبات الضرورية كانت تبدو بأجمل هيئتها…” أما المؤرخ كورنيليوسcournelius فيقول بأنها “زنوبيا كان جمالها ساحراً آخّاذاً، وكانت تعرف الآداب اليونانية، التي يبدو انها تعلمتها من لونغينوس الاديب الفيلسوف اليوناني الحمصي المولد..” (نقولا زيادة. عربيات ص 87). هذه الملكة التي اطلق عليها امبراطور روما لقب “”سبتميا” الذي هو من أكبر ألقاب الشرف عندهم كانت تدمرية عربية الأصل ربّت أولادها تربية حسنة وساندت زوجها في حياته كأحسن امرأة محبة صالحة وحمت مملكتها بعد مماته بشرف وشجاعة وإباء. يقول الكاتب المصري حسين احمد أمين متعجباً: “إنه لأمر يدعو الى الدهشة حقاً ان نلمس من المؤرخين العرب مثل ذلك الاستخفاف المشين بتلك الملكة العربية العظيمة، وذلك الإجلال والتوقير لها من جانب اعدائها الرومان ممن حاربتهم وجاهدت لسنوات عدة جهاداً دفع المؤرخ البريطاني الشهير إدوارد جيبون على القول في كتابه “تدهور الامبراطورية الرومانية وسقوطها” انه على رغم وفرة الملكات العظيمات في التاريخ الأوروبي، قديمه وحديثه، فإنه يقر بأن زنوبيا ملكة تدمر في القرن الثالث الميلادي ربما كانت أعظم ملكات التاريخ كله”. وقد عزى أمين هذا الاستخفاف بالملكة الى أمرين أولهما أن المؤرخين العرب “كانوا يستمدون قصصهم تارة من الأساطير والخرافات السائرة المتناقلة بين الامم وتارة اخرى من الاخبار والاحاديث التاريخية المأثورة عن العرب أنفسهم وعمن جاورهم… ولم تكن ثمة، في ذلك العصر بطبيعة الحال، كتب أو أوراق قد سجلت فيها تلك القصص فيقرأ القصاص منها، وإنما هي قصص قديمة يتناقلها الرواة شفاهة جيلاً بعد جيل، كل يغير منه وأحداثها وشخصيتها بالحذف أو بالإضافة، محتفلاً بعنصري التشويق والإثارة أكثر من احتفاله بالحقيقة التاريخية وصدق الرواية”. أما الأمر الثاني فيعود الى دعوى زنوبيا ان امها من نسل الملكة المصرية كليوبترا، الامر الذي أدى الى خلط الروايات العربية بين شخصية زنوبيا وشخصية هذه الملكة المصرية المزواجة، ورغم صحة هذين الامرين فإنهما ليسا بكافيين لتفسير هذا التجاهل والاستخفاف بالملكة السورية زنوبيا. السبب البارز والوحيد الذي يمكن أن يفسر هذا الاستخفاف تعود جذوره الى الجاهلية والى ما قبل الجاهلية بآلاف السنين، والذي تبنته بعض القوى الرجعية والأصولية والمسيحية والمحمدية.
المرأة تتمتع بخصائص روحية وقدرات عجيبة يقف الذكر أمامها حسب قول أحد الكتاب العرب (فهان كيراكوس. الناقصات الفاتنات. الناقد. عدد 76. 1994) “عاجزاً وخائفاً في أعماقه. فهي التي يتكون الجنين في أحشائها، وتلد كما الأرض حين تعطي المحصول بعد اكتمال الجنين في أحشائها. فهي المرضعة وواهبة الحياة منذ الساعة الأولى للوليد. وهي التي تسهر جانب المهد وتناجي القمر والنجوم وكأنها المادة التي تربط السماء بالارض أو الوسيط بين عالم الآلهة والبشرية”. هذه المرأة هي الذبيحة التي يقدمها الذكر لخلاصه.
هذا الموقف من المرأة لم يأتي به الاسلام، ولا يوافق عليه. إنها مكونات شعبية خيالية سبقت الاسلام بقرون إنه حق شهرياري الذي هو حق ذكوري تسلل الى ثقافتنا “الشعبية ونسج فكرتنا عن المرأة، وغدا واحداً من الرواسب الثقافية الصلبة، ولكن من دون أن تكون له صلة بالإسلام وفكره”. القتل الشهرياري في ألف ليلة وليلة، والقتل الطقوسي للعذرية في ليلة الزفاف هو عنف ذكوري لا علاقة له بالإسلام ولا بأي دين آخر، هو فعل يمارسه الانسان العربي مسيحياً كان أم محمدياً. إن النظرة الأصولية للمرأة، لا بل النظرة إليها السائدة في المجتمعات العربية هي موروث جاهلي لا اسلامي، وهو عنف استمر الى يومنا هذا لا بسبب الدين ولكن بسبب الذهنية الذكورية السلطوية التي سيطرت ليس على المرأة فقط بل على كل طلقات المجتمع الثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية.
في مقالة للدكتور جابر عصفور في جريدة الحياة 29 تشرين الثاني عام 2000 وتحت عنوان “المشكلات الثقافية للمرأة العربية”، فيقول بأن توصيف هذه المشكلات يستلزم الإلمام بالاوضاع الثقافية المحيطة بها: الوضع الثقافي للمجتمع العربي الذي تعيش فيه، والاوضاع الثقافية للعالم المعاصر. إزاء هذه الاوضاع ما تجابهه المرأة العربية في تطلعاتها هو ميرات ثقافي تقليدي. “لا يزال ينظر الى المرأة على انها ناقصة عقل ودين، مستنداً في ذلك الى مرويات نقلية والى تأويلات بشرية مغلوطة لنصوص دينية، والى نظرة متعصبة لتبرر كل شيء على أساس من الماضي”. وتجابه أيضاً ميراث اجتماعي ذكوري بطريركي، “لا يزال يفرض التمييز بين الرجل والمرأة في المكانة الاجتماعية، وما يقترن بهذه المكانة من مجالات الترتيب الوظيفي”. فالرجل هو الحاكم المطلق والأنثى هي المحكوم، “الذي يطيع هذا الحاكم طاعة الإكبار والتصديق والإتباع والإذعان” وبالمختصر إنه واقع، فيه المراة العربية المعاصرة” “أصعب الوان القمع الفكري” في عصر فيه المرأة العالمية أصبحت “تفيد من أقصى اشكال التحديث التي انتجتها ثورة الاتصالات في العالم المتقدم”.
إزاء هذا الواقع أين تجد المراة العربية مستقبلها؟
تقول الآية الكريمة: “إن الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم…”
الحل مفهوم قومي علماني وديمقراطي للمجتمع، المرأة فيه تمثل نصف القوة البشرية، الانتاجية والحضارية، للمجتمع، ولا يمكن النظر إليها كعنصر مزاحم للذكر، كما يزاحم الشيطان الإله، ولا يمكن إلغاء هذا النصف، لا ولا تهميشه. المرأة حاربت في الاسلام جنباً الى جنب مع الرجل، وكتبت الشعر وامتهنت الفن والأهم من ذلك حافظت على البنية التحتية للمجتمع وهي الأسرة، التي في معظم الاوقات كان الرجل بعيداً أو مشغولاً عنها. يقول الشاعر أدونيس: “المرأة ليست مجرد موضوع او مجرد آخر بالنسبة لي، بل لا استطيع تصورها إلا وفقاً للاسطورة القديمة عندما كان الرجل والمرأة وحدة لا انفصام بينهما، ثم حدثت الكارثة وانفصلا فاصبح ما يسوغ وجودهما هو سعي كل منهما نحو الآخر، من أجل التوحد مرة أخرى…” (أدونيس في حوار قاهري. منى عبد العظيم. الحياة 72 تموز 1999).
وفي الختام لا بد من التسليم بأن الجوهر ليس التعابير والمظاهر التي تعبر عن العلاقة الروحية التي تربط بين الزوجين ببعضهما سواء كانت هذه التعابير حجاباً أو خاتماً او غير ذلك، وإنما الجوهر هو العلاقة الروحية نفسها، وهي التي عنت بها الاديان السماوية، وأن حرية المرأة ككائن بشري عاقل كما هي حرية الرجل لا تتعارضان مع الحشمة، سواء ان ارتبطت هذه الحشمة بدين أو معتقد أو لم ترتبط، والحرية المتمرسة بالعقل ليست عدوة للحشمة، والاثنتين ليستا خاصتان بجنس معين. ولهذا فإن الاعتداء الذكوري على حرية المرأة باسم الحشمة التي تعاني منها العائلة العربية ليس أقل سوءاً من الإعتداء الانثوي على الحشمة باسم الحرية التي تعاني منها العائلة الغربية. فلا هذه حرية ولا تلك حشمة. كلاهما يمثل موقفاً متطرفاً يؤديان بالعائلة الى القلق والاضطراب وبالمجتمع الى الوهن والتخلخل…
نشرت في مجلة الحكيم الصادرة في نيويورك- العدد رقم 2 / خريف 2000.

د. جورج يونان