بيروت؟ ذلك الجناح، تلك القارة

تقولُ الأسطورة: أدونيس كان شاباً تَجَسَّدَ فيه العنفوانُ والفُتُوَّة وقدرةُ الإخصاب، وكان رمزاً لربيع الحياة. كان يحبُّ الصيد، وكان يخرجُ إلى مكانٍ في أعالي الجبالِ في لبنان. ذات يوم جابه أدونيس خنزيراً برِّياً، تلقَّاهُ بضربة من ، رمح الحارث-الخضر، إلَّا أنَّ الخنزير الجريح لم يمت، بل هاجَ وماجَ، وهجَمَ على أدونيس، ومزَّقَ الشاب الجميل بأنيابه، فتهاوى أدونيس معانقاً التراب الذي أحبَّ، وسالَ دمُهُ ليمتزج بمياهِ النهرِ لتروي الضفافَ والبطاح الخصيبة، وحيثما سقطت قطرةٌ من دمه ، وفي كلِّ مكانٍ روته مياه النهرِ تفتَّحت شقائق. بَكَتهُ الصبايا في كلِّ خريف، وارتفعت الصلواتُ في إنطاكية، وفي جبيل، وفي قلسطين، ثمَّ انحدرت الصبايا إلى البحرِ باحثةً عن رأسٍ من نبات البردي أرسلته شقيقاتهن نساءُ الإسكندرية.
في هذا اليوم، كان النعمان في حقله يزرعُ ويسقي زرعَهُ، فجاءه خنزيرٌ برِّي هائجاً مائجاً متفجِّراً في أحشاء الحياة، ثم يهربُ مذعوراً من هول ما صنع.
” العودة إلى بيروت فرحةٌ أكبر من مساحة قلبي” قال نزار قباني، وقال: ” ” بيروت حادثةُ شعرٍ في حياتي لا تتكرر، حاثةٌ تركت قمراً بنفسجياً على أوراقي، وحشيشاً أخضراً على جدران ذاكرتي… بيروت وَشَمٌ محفورٌ على حدقة العين… بيروت علمتنا القراءة والكتابة… وبعد بيروت دخلنا مرحلة الأمِّيَّة… بيروت حرِّيةٌ لا تشيخ”.
“بيروت قارة تعيش في داخلي” قال محمد الماغوط.
من فصيلتها وُلِدَ كلُّ إسمٍ، ومن معانيها رَضِعَت الكلمات.
سِتُّ الدنيا، أمُّ الشرائع، وعاصمة الثقافة، ألقابٌ أتت بيروت بِلَهَفِ الأطفالِ إلى الأمِّ.
كان لإسبارطة عصر، ولأثينا عصر، ولروما عصر، أمَّا بيروت فالدهرُ كُلَّهُ. بيروت ليست كالمدن، هي من فصيلة السماء.

يَتَرَبَّص بك شبقُ التنين أيتها البرتقالة الليلكية ويا فاتنة المتوسط. أنت الأزرقُ الذي يدفنُ أجيال الرمال. وكما بكت الصبايا يبكي السروُ ويذرفُ الدموع المدرارة على السفوح المهرولة نحو المرافىء المحترقة. يحسبونك حائطاً من الحجارة سيحوّلونه إلى أكوام.
ستعودُ عشتار إلى الجبال الخضراء، وسترسو سفن أليسار في المرفأ.
أنت عشقٌ أعظم من شبق الرياح العاصفة بكِ.
أنت جناحُ طائرُ وقارةٌ تتفرَّعُ فيها حدود الوطن الصغير إلى أعمقِ ما للحرية من فضاءٍ وأعماق.
شَرِّعي الجناح،
وحلِّقي من شموخ صنين إلى ثنايا الوديانِ في نينوى.

د. جورج يونان