أيها الهواء الطالع من فلسطين

(آه ما أسرع خطواتك في رئة التاريخ أيها الهواء الطالع من فلسطين)
“أدونيس”
قانون العودة هو تشريع إسرائيلي ينظم هجرة اليهود الى فلسطين.
حق العودة هو حق الانسان الفلسطيني بالعودة الى وطنه.
تقول الإحصاءات الفلسطينية بأن هناك أربعة ملايين ومئة ألف لاجئ في الاردن و 360 ألفاً في لبنان، و350 ألف في سورية، و700 ألف في قطاع غزة، و600 ألف في الضفة الغربية أي ما يساوي ستة ملايين ومئتي ألف. ما يربط كل هؤلاء مع بعضهم هو ما يربط أفراد الشعوب الأخرى ببعضها كل شعب على حدة… إنه الأرض… إنه الوطن، هذه المسلمة الأساسية التي تمنح كل إنسان على هذه الأرض هويته، فلماذا يكون الفلسطيني مختلفاً عن غيره، ولماذا يتحايل المجتمع الدولي لطمس هذه الحقيقة؟
في آذار العام 1999 وأثناء زيارته لبيت لحم وقف البابا يخاطب الجموع الفلسطينية التي جاءت تحييه قائلاً: “لا أحد يقدر أن يجهل من هي المعاناة والآلام التي فرضت على الشعب الفلسطيني في السنوات الأخيرة، إن العالم كله يرى معاناتكم وقد طال بها الامر كثيراً”، وأضاف يقول: “إنني أصلي خصوصاً من أجل هؤلاء الفلسطينيين، مسلمين ومسيحيين الذين ما يزالون لا يملكون بيتاً وليس لهم المكان الذي يستحقونه في المجتمع ولا إمكانية لهم للحصول على عمل منتظم… لا تخافوا من سعيكم لحماية وجودكم… كم من صرخات للأبرياء سمعت في هذه الشوارع”.
ماذا بقي من هذا الوطن، فلسطين، وماذا بقي من شعبه؟ أهو الشتات الذي يتوزع في العالم العربي؟ أم الشريحة التي رفضت الهجرة وبقيت وراء خطوط عام 1948؟ أم هي المدن المحاصرة هنا وهناك في ما يسمى الضفة الغربية؟ أم هي القدس؟ أم كنيسة القيامة؟ أم قبة الصخرة؟ ناهيك بالطرق المؤدية الى هذه هل تكون على سطح الأرض أم تحتها؟
بعد فشل خلوة كامب ديفيد قال الدكتور إدوارد سعيد بأن: “تهرب كلينتون من الحقيقة قاده الى ترتيب ضربة مسرحية “جريئة” انفجرت بعدئذ في وجهه. كيف أمكن له أن يتخيل أن العالم الاسلامي والعربي كله، ناهيك عن كل فلسطيني يقبل بسيادة اسرائيل على القدس بالاضافة الى معظم فلسطين التاريخية مقابل لا شيء سوى موافقة اسرائيلية اميركية على مجرد فتات دولة زائفة”. ثم يضيف قائلاً بأن ما تطالب به اسرائيل وتدعمها فيه الادارة الاميركية الحالية يخولها بــ “ان تستمر في الاستحواذ على 78 في المئة من فلسطين في عهد الانتداب معتبرة أنها تابعة لها، بالإضافة الى اجزاء استراتيجية من الــ 22 في المئة المتبقية، وأن تبقي على عزل صارم بين اليهود وغير اليهود، وتحتفظ بالقدس لها، وتستمر بتطبيق “قانون العودة” المؤذي، وتواصل السيطرة على المياه والحدود والأمن، ولا تحتاج أبداً لمواجهة مسؤولياتها التاريخية لكونها شردت بالقوة شعبا بكامله كي تظهر الى الوجود”.
إلا ان الدكتور إدوارد سعيد بعد معارضته الشديدة للذهنية التي قادت الى انحدارات أوسلو يقع في نفس الهفوة التي جرتنا إليه هذه الذهنية فيقول: “إن قضية فلسطين، وبهذا القدر قضية اسرائيل، تشكلان معاً إحدى أضخم القضايا وأكثرها تعقيداً على نحو لا يصدق في التاريخ كله. فهي تتضمن قضايا دينية وسيايسة واجتماعية وثقافية وتاريخية هائلة يعجز عن استيعابها أي من الزعماء بمفرده… فلا أحد منهم يملك الضمير الأخلاقي أو المقدرة الفكرية أو الحيوية للإحاطة بما هو مطروح”. (سعيد. فرصة اخرى وحيدة. جريدة الحياة. 18 آب 2000). فالحقيقة هو أن الفشل مؤكد بسبب النظر الى القضية من خلال هذه القضايا… قضايا جعلت من القضية الأساسية فريسة تنهشها المصالح الأممية المختلفة. إذ حولت قداسة القضية القومية الواحدة الى مجموعة مقدسات، والنائب عزمي بشارة يقترب أكثر من لب القضية فيقول: “إن القضية الفلسطينية برزت اساساً كقضية لاجئين لكن على نحو ما قُلبت الى قضية أراضي الــ 67 التي قُلبت الى قضية القدس التي قُلبت الى قضية دينية، وعلى نحو ما نسي بعض العرب والفلسطينيين أن قضية اللاجئين هي جوهر القضية الفلسطينية”. لقد ترسخ عند البعض بأن قضية فلسطين اصبحت قضايا، وبهذا تناسوا بانها في النهاية قضية قومية تهم محيطها الطبيعي بشكل خاص ومحيطها العربي بشكل عام بقدر ما تهم شعبها الفلسطيني. هذا الترسيخ كان حصيلة التمييع الذي خططت له الأهواء والمساومات الدولية، فبدلاً من أن تكون قضية أرض ووطن أصبحت فريسة تتقاسمها النزعات الدينية.
من عمق هذه المأساة، تنطلق الاحتجاجات من الذين ما زالوا يؤمنون بأن فلسطين كلها مقدسة، وهي كذلك لا لأنها حائط مبكى أو جامع أو كنيسة، وإنما لأنها وطن… وطن حضن شعباً ذو تاريخ حضاري ويطمح لأن يستمر في المساهمة بالمسعى الإنساني في سعيه نحو الإبداع الحضاري. وتعلو الاصوات أكثر وأكثر بإيجاد مرجعية فلسطينية واحدة تمثل الثوابت التي حافظت على بقاء الشعب الفلسطيني رغم المحاولات التي قام بها اعداؤه لمحوه وإبادته، ورغم تواطؤ المجتمع الدولي في هذه المحاولات. ومن الثوابت كان حبل المشيمة الذي يربط فلسطين بمحيطها الطبيعي وبعالمها العربي والذي حاولت قطعه إتفاقيات أوسلو والخليل وشرم الشيخ وكامب ديفيد. يقول الكاتب الفلسطيني علي بدوان “ومن وقائع المعادلات التي نشأت في العقد الأخير من القرن الماضي، وهي التي دفعت مجموع الخريطة العربية بالتعاطي مع التسويات التي تمت في كامب ديفيد، أوسلو ووادي عربة أحدثت شرخاً في العلاقات العربية وفي ترابط مسار التفاوض، الأمر الذي أضعف الموقف برمته وكرس مبدأ الحلول الثنائية وحدّ من إمكان وجود رابط بين الحصول الى الحلول الشاملة على المرجعية الدولية”. ويتابع فيقول: “إن اندفاع الطرف الرسمي الفلسطيني نحو تسوية مدريد – أوسلو تم على أكتاف المعادلة العربية على خلفية نتائج ما بعد عام 1991. وقبل ذلك تفكك الوحدة الفلسطينية بعد اجتياح 1982”. وقد أدى فقدان التنسيق بين المسارات الفلسطينية ومسارات المحيط الطبيعي لفلسطين “خسارة إضافية للطرف الفلسطيني أولاً والأطراف العربية ثانياً”. وبمناسبة المحاولات الأخيرة لـتصحيح العلاقات السورية – الفلسطينية واستخضار الهم المشترك فإن مراجعة التجربة وإحداث خطوات تقارب على قاعدة إعادة ترتيب العلاقة المشتركة ضمن الحدود الدنيا من العمل التنسيقي أضحت مطالب فلسطينية لا بد منها كما هي مطالب وطنية سورية، فالصراع مع الاحتلال الإسرائيلي ومع الدور الإقليمي الذي تطمح وتعمل اسرائيل لن يتوقف عند حدود اتفاقيات أو معاهدات بينها وبين بعض الأطراف العربية، وبالتالي لا بد من رد الأمور الى نصابها وإعادة التوازن الى البعدين القومي والوطني. والمؤشرات الأخيرة تشير بأن قضايا: (القدس، اللاجئين، الدولة الفلسطينية كامله السيادة… ) تحتاج الى روافع عربية وإقليمية ودولية وإسلامية ومسيحية”. ويختتم قوله:” ومن المهم أن تترافق خطوات التصحيح على مسار العلاقات الفلسطينية – السورية مع إعادة ترتيب البيت افلسطيني. وهنا فإن مستقبل المعارضة الفلسطينية في الشتات التي تدور حول ذاتها منذ مدة طويلة يبدو أنه سيبقى معوقاً وينتظر الانطلاق لتحويل هذه المعارضات الى معارضة واقعية في إطار مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية بعد إعادة توحيدها على اساس برنامجها الوطني وإعادة التوازن للمعادلة الفلسطينية – الفلسطينية، وفق سياسة واقعية ترتكز الى خطوط إجماع وطني فلسطيني تحت مظلة عربية واحد”. (جريدة الحياة. 8 نيسان 2000). فتحت عنوان “مفاتيح التغيير” (الحياة. 16 آذار 2000 ) عبر نايف حواتمة، الأمين العام للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين عن ضرورة استئناف الحوار الوطني الفلسطيني الشامل، والعودة الى مرجعية فلسطينية شاملة تجمع الفلسطيني في الوطن والشتات وتتولى اموره والدفاع عن حقوقه التي التي هي مسلّمات في الشرائع الانسانية والدولية. وكتب أحمد الربيعي في جريدة “الشرق الاوسط” : “لا بد من ان يشرع الفلسطينييون في تشكيل حكومة وطنية من القوى السياسية كافة، بما فيها حماس والجهاد الإسلامي وقوى المعارضة في دمشق، فالمرحلة اكبر من ان يحتمل مسؤوليتها طرف واحد…”.
إذا راجعنا الأساطير السومرية-البابلية-الكنعانية فسنجد فيها ترابطاً بين فاعلية الآلهة وتجدد الطبيعة، حين كانت الآلهة الكبيرة تشيخ، كانت الطبيعة تسكن، فتثور الآلهة الشابة لتتحكَّمُ بالطبيعة ولتجددها: لهذا جاء “أنليل”، ومردوخ، وبعل، والمفكر الفلسطيني هشام شرابي له رأيٌ مشابه، قال: “لقد اصبحت الحاجة ملحة، بعد فشل عملية السلام للبدء بتنفيذ مشروع إصلاح المنظمة ودعم الشعب الفلسطيني. الخطوة الأولى هي عقد مؤتمر تأسيسي يترجم الصيغ والتوصيات المقترحة في مؤسسة فلسطينية فاعلة، ومطلوب في هذه المرحلة ليس فقط الإرادة والتصميم بل الرؤية الواضحة والالتزام العقلاني الرصين. ومطلوب بشكل خاص تنحي القيادات الابوية التقليدية وإفساح المجال للجيل الجديد الطالع (المولود في الشتات) ليتبوأ مراكز القيادة وتحمل مسؤوليات التخطيط والتنفيذ في ساحات العمل والصراع كافة”. (جريدة الحياة. كانون الاول 2000). هذه المطالب واقعية ولها مبرراتها فعلى الساحة الفلسطينية ثلاثة ظواهر لها مغزاها ويجب إعطائها الأهمية التي تستحق. هي ظواهر سليمة تتم عن أصالة هذا الشعب وعن تصميمه المتزن بالتمسك بكيانه وبالسبل القويمة التي تكفل له البقاء والصمود وبالتالي استعادة مسيرته الحضارية. هذه الظواهر هي: ظاهرة التمسك بحق العودة التي تقوى يوماً بعد يوم، وظاهرة الإرادة الصلبة العقلانية والمتزنة للشعب الفلسطيني في بناء الفرد وبالتالي المجتمع، ثم ظاهرة النضال من أجل تحقيق هذا كله.
من مخيم الدهيشة في فلسطين كتبت سائدة حمد، يوماً، تقول: “مخيم ليس ككل مخيمات اللجوء الفلسطيني الــ 59 التي أقامتها الأمم المتحدة إثر حرب الاقتلاع والتشريد عام 1948 وهي في الوقت ذاته يجسد نموذجاً صارخاً لهذه المخيمات، على أحد مداخل مخيم الدهيشة وحده ترى “صرح الشهيد” ملاوماً لــ “حق العودة، مجسداً بخارطة فلسطين الكاملة المصنوعة من الحجر وتحوي أسماء القرى الفلسطينية الــ 46 المدمرة، التي ينتمي إليها سكان المخيم. على مدخله الرئيسي وضعت قوات الاحتلال الاسرائيلي بوابات حديد تشبه بتركيبها “مسالخ الدجاج” فلا يسمح إلا لشخص واحد بالمرور عبر قضبان منصوبة أفقياً وعمودياً، هذه “المسالخ” التي تفتقت عنها عقلية الاحتلال لا توجد إلا في مخيم الدهيشة وعلى مداخل قطاع غزة أو بالاحرى على حاجز “إيرز” العسكري، أهالي المخيم قرروا، بعد جلاء الاحتلال عن المنطقة، الإبقاء على هذه المسالخ لتبقى ذاكرة حية لا تموت، في الحديث عن الذاكرة لا ينسى الجيل القديم “حمامات الوكالة” التي بقي منها واحد غير مستعمل الآن بالطبع، ولكن – للتذكير – خُصص حمامان فقط لكل 25 غرفة من غرف وكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين، أي لكل 25 عائلة في ذلك الوقت. وتتذكر الحاجة ام أمين اللفتاوي أن النساء كن مرغمات على استخدام الحمام نهاراً فقط لصعوبة الخروج ليلاً، وأنها كانت تقف في طابور طويل قبل أن يصلها الدور”. وتتابع: “الانتفاضة الشعبية التي تفجرت في مدينة غزة رسمياً في كانون الاول (ديسمبر) 1987 وانتقلت الى باقي الاراضي الفلسطينية كانت تدور رحاها سنوات عديدة قبل ذلك في أزقة المخيم وشوارعه، وكان اهالي المخيم كما يقول الناشط زياد عباس، يصبحون على المستوطنين، والمستوطنون يصبحون عليهم، كل على طريقته، اللاجئون بحجارتهم وزجاجاتهم الفارغة ، والمستوطنون الاشد تزمتاً وتطرفاً الذين يقطنون في مستوطنة كريات أربع وأخواتها في منطقة الخليل بإطلاق النار من أسلحتهم الأوتوماتيكية..”. وبعد ان استعرضت حالة الإحباط التي وصل إليها اللاجئون الفلسطينيون على أثر أوسلو، وكيف أن هذه الصفقة خلقت طبقتين: طبقة “اللاجئ” الفقيرة وطبقة “أوسلو” المرتبطة والمستفيدة من اوسلو. تتابع سائدة حمد فتقول: “في العام 1994 وبمبادرات شخصية أقام بعض من كانوا ناشطين في “معمعة الثورة” مركز “إبداع” للجيل الذي لم يصب بعد بالاحباط أو ربما لإنقاذه من هذا الشعور المرير. جيل الشباب الذي يشكل الآن 55 في المئة من مجموع السكان الفلسطينيين. وتحول “إبداع” سريعاً بمقره الشديد التواضع داخل المخيم، الى مركز تجمع للاطفال من عمر 8 الى 15 عاماً، يستخدمون فيه اجهزة حاسوب تبرعت بها مؤسسة بريطانية عام 1998 ويتعلمون فنون الرقص الشعبي، جاب الاطفال اللاجئون عواصم دول العالم بدءاً من اوروبا ومروراً باميركا وحتى اليابان، وبثوا معاناتهم واحاسيسهم وتفاؤلهم بسمتقبل آت لا محالة، الى كل من احتكوا به من فلسطينيين وعرب وأجانب، وبدل أن يثير العالم الخارجي دهشتهم أثاروا انطباع الجميع. وخلال عام واحد أوجد مركز “إبداع” أول موقع لمخيم لاجئين فلسطين على الانترنت، الموقع الذي أصبح “موسوعة” عن تاريخ اللجوء السفلسطيني. في الذكرى الخمسين للنكبة الفلسطينية، برز مخيم الدهيشة من بين المخيمات في تظاهرة “المفاتيح” التي حملها أطفال المخيم لتذكير العالم بأنهم سيحملون إرث أجدادهم وسيكملون مشوار العودة لإعادة فتح أبواب منازل أجدادهم التي طردوا منها في العام 1948. اليوم، مشروع الدهيشة الجديد هو “رحلة العودة” وحفر الذاكرة بمشاهد حية ملموسة. مهندسوا هذا المشروع ومنفذوه هم أطفال بين الــ 12 والــ 15…”. (الحياة 22 آذار 2000).أمام هذه الظاهرة يقول الدكتور هشام شرابي (نفس المصدر): “الهدف الاستراتيجي للصراع المقبل هو الحفاظ على هذا الشعب فوق أرضه ودعمه بالوسائل كافة لإعادة بناء مجتمعه وتأمين نموه وازدياده في الارض ليصبح في نهاية العقد الحالي، كماهو متوقع، أكبر عدداً من عدد اليهود الاسرائيليين”. ويتابع: “لذا فإن المطلب الأول هو إيجاد وسائل الدعم الكافية في الحقول الاربعة الآتية: هي البنية الاقتصادية، في النظام التربوي والتدريسي، في العناية الصحي، وفي الخدمات الاجتماعية في المدن والقرى والمخيمات. فإذا توافر للجيل الصاعد فرص الدراسة، بدءاً من حديقة الاطفال الى المدارس الابتدائية والثانوية، الى الجامعة والمعاهد الفنية، وقدم للعائلات والافراد العناية الطبية اللازمة، وتوفر لخريجي المدارس والجامعات والمعاهد الفنية فرص العمل والوظائف اللائقة، فسيعود المجتمع الفلسطيني في فترة قصيرة الى ما كان عليه قبل نكبته من قوة وتماسك واكثر قدرة على الدفاع عن حقوقه وعلى البقاء في ارضه وبناء دولته المستقلة”.
أما الظاهرة الأخرى وفي 16 ايلول من هذا العام احتشد خمسة آلاف فلسطيني وعربي في مسيرة الى البيت الابيض مطالبين بتطبيق قرار الامم المتحدة رقم 194 الداعي الى عودة اللاجئين الفلسطينيين الى بلادهم والتعويضعنهم. وكان شعارهم “لا عودة لا سلام”. وبعد ذلك بيوم جموع اخرى اجتمعت في ساحة الطرف الأغر ورفعت لافتات تؤكد إصرارها على حق العودة.
يقول الكاتب الفلسطيني رجا ديب:” بات “حق العودة” عنواناً رئيسياً للخطاب السياسي الفلسطيني الراهن، وذلك بفضل النشاط الذي يقوم به منذ فترة عدد من المفكرين والكتاب والشخصيات الفلسطينية في اماكن مختلفة من الشتات الفلسطيني، بهدف بلورة حالة فلسطينية “ما” تحت هذا العنوان…” و “مبدأ “حق العودة” لم يكن غائباً عن الخطاب الفلسطيني المعاصر، إذ كان – ولا يزال – أحد مكوناته التي يقوم عليها منذ أن حلت النكبة بالشعب الفلسطيني عام 1948، فتضمنته البرامج السياسية لفصائل العمل الفلسطيني، بالاضافة الى ميثاق منظمة التحرير”. وبعد ان يستعرض ديب المستويات التي يمكن من خلالها التعامل مع القضية الفلسطينية بمناحيها، وبأدوات التعبير عنها، وبالوسائل التي يمكن اللجوء إليها للوصول الى الحقوق التي تقوم عليه هذه القضية، يتيقن بأن هناك شعور بالقلق في الشتات الفلسطيني من المنحى الذي تتجه إليه اللعبة السياسية الآن. فيتابع قائلاً “من أبرز دلائل النشاط الفلسطيني الجاري منذ فترة تحت عنوان “حق العودة” أنه يعكس شعوراً بالخوف لدى القائمين به من إخضاع “حق العودة” للمساومة في المفاوضات الجارية بين القيادتين الفلسطينية والاسرائيلية، التي يتوخى منها إيجاد حل تاريخي للقضية الفلسطينية بكل أبعادها، وهذا التخوف يعود الى ميزان القوى المختل لصالح اسرائيل، التي ترفض بحث مشكلة اللاجئين على قاعدة “حق العودة” “.ويعترف بأن هناك جهد فلسطيني من اجل بلورة حالة فلسطينية لا تعترف بأي اتفاق أو حل يسقط حق العودة. (حق العودة : نحو عمل اهلي فلسطيني. رجا ديب. الحياة. ص 8 أول نيسان عام 2000).
أما الظاهرة الكبرى فهي ما يدور اليوم في شوارع القدس وغزة ونابلس وغيرها من المدن الفلسطينية، بعد الزيارة الاستفزازية التي قام بها أرييل شارون الى القدس الشرقية في الثامن والعشرين من شهر أيلول. حيث هبت الجموع المعزولة من أي سلاح سوى الحجارة لتجابه ترسانة الاحتلال بشجاعة وتصميم. هذه الظاهرة لم تكن محصورة ضمن ما يسمى الضفة الغربية ولكنها امتدت أيضاً الى ما وراء خطوط التقسيم شاملة مدن الجليل. وقد كتب الصحافي البريطاني باتريك سيل مقالاً نشرته جريدة الحياة في عددها الصادر يوم العاشر من شهر تشرين الاول عام 2000 إذ قال: “على الرغم من الخسائر البشرية المفجعة والأسى المرير لدى ذوي الضحايا لا بد من تاكيد أن المعارك التي تشهدها القدس وسائر الاراضي الفلسطينية تشير الى الغضب العارم والإحباط لدى الفلسطينيين وليس الى ضعفهم. إن على العرب الوقوف إجلالاً لهذا التحرك الفلسطيني، لان معناه العميق هو أن الفلسطينيين وصلوا الى نهاية طريق التنازلات، وها هو جيل جديد منهم، جيل ما بعد الانتفاضة، يعلن بلوغه سن النضج ويبرهن على استعداده للموت من أجل القضية… ما يحدث في فلسطين اليوم يشكل جزءاً فقط من سلسلة من التطورات المهمة العاملة على تغيير البئية الاستراتيجية في الشرق الاوسط لمصلحة العرب…”.
هذه الظواهر يسميها استاذ المجتمع والثقافة في جامعة جورج تاون الدكتور حليم بركات ظواهر تناوب الاجيال. ويقول حين اعتقلت سلطات الاحتلال فارس عروري الطالب في جامعة بيرزيت، وابن المناضل الفلسطيني تيسير عاروري: “جيل آخر من الفلسطينيين يعيش تجربة الجيل الذي سبقهم… والمثير في ظاهرة تناوب الاجيال في النضال من اجل التحرير والتحرر والبحث عن حلول عادلة أن لها وجهاً غير الوجه المأساوي الذي نشهده يومياً ونحار كيف التعامل معه. إن لهذه الظاهرة وجهاً مشرقاً آخر يبشرنا ان النضال مستمر جيلاً بعد جيل والى النهاية التي لا نهاية لها حتى يتحقق الحل العادل. إن لاستمرار النضال وجه المأساة، ولكن له ايضاً وجه الامل بمستقبل مضيء مهما اشتدت كثافة ظلمة الحاضر الذي نعيشه ومهما كانت هزائم الماضي”. (الحياة 22 آذار 2000).

د. جورج يونان