منصور الرحباني يتحدَّثُ إلى “الحكيم”

(نُشِرَ في مجلة “الحكيم” ربيع 1996).
س: ثلاثُ فتراتٍ شَكَّلَتْ نقاط انطلاقِ للموسيقى العربية الحديثة، مع حفظ الإعتبار لإنجازات مار أفرام السرياني:
1) العصر العباسي الذهبي بانطلاقة الموصلينَيْنِ: إبراهيم وإسحاق.
2) عصرُ النهضة العربية مع سيد درويش.
3) العقودُ الأربع الماضية مع الرحابنة( مع فيروز) وزكي ناصيف والفن الشعبي اللبناني.
أينَ هيَ موسيقانا العربية الآن؟ وما مستقبلها؟
ج: شكراً لاعتبارك فيروز من الأقانيم الرحبانية الثلاث، وهي بالفعل كذلك، فلولى ما كانت لكان أداؤها وصوتها اختلفا كلِّياً.
الموسيقى العربية بألف خير، وكثيرً من المؤلفات الموسيقية العربية أصبحت ذو مستوى عالميِ عاليِ، ونحنُ الرحابنة قطعنا مسافة كبيرة على هذه الدرب، وأصبَحَت أعمالُنا معروفة في كل أنحاء العالم، وقد تُرجمت إلى عدة لغات، هذه حقيقةُ نعرفُها من مراجعة سِجِلّات جمعية حقوق المؤلفين، التي تُبَيِّنُ مِوارِدَ أَتَتْ من مَعْزوفاتٍ لنا عُزِفَتْ في باريس وبروكسل وأنحاء أُخرى من العالم. ولا أُريدُ أن أستثنيَ الموسيقيين الآخرين: فبشارة الخوري- حفيدُ بشارة الخوري الشاعر، أو الأخطلُ الصغير، إذ يُعْتَبَرُ لأكبَرُ مؤلف سيمفوني في أوربا. الفِرَقُ السمفونية اَعرِفُ بسيمفونِياتُهُ إلى جانب سيمفونيات “بيتهوفن” و”موزارت” و “سترافسكي”. هذه سابقة لم تَحْدُثُ قط للموسيقى العربية من قيل، وفي أيِّ عصرٍ من العصور,
س: أنت مُتَفائلٌ؟
ج: نعم، أنا مُتفائلٌ، وتفاؤلي مبنيٌّ على الحقيقة. أنا، بعدَ أن رَحَلَ عنَّا عاصي، أُحاولُ أن أُكَمِّلَ مسيرةَ المسرحِ الغنائيِّ الذي ابتكرَهُ الرحابنة، هذا المسرح لا شبيه لهُ في العالم، الحوارُ موجودٌ فيهِ تستطبعُ أن تُسمّيه أوبرا، فجبالُ الصوّان، أوبرا، وفخرُ الدين أوبرا، وصيف 840 أوبرا كوميك، لكن بالأحرى جميعها أوبرات موسيقيات، إذ نحنُ لَمْ نستعمل الأصواتًُ التقليدية التي ، عادةً، تُستَعملُ في الأوبرا، بل اعتمدنا على الأصواتِ الغنائيةِ الطبيعية، وقد ساعَدَ على هذا وُجودُ الميكروفون، الذي مَكَّنَ من نقلِ كلّ الإنفعالات إلى المستمع، وهذا لَم يَكُن مُتَوفّراً في بداية أيَّام الأوبرا، لا وبل في أيَّامِ ازدِهارِها في عهدِ “روشيني” والمبدعين الآخرين. كان المُغنّي، بغيابِ الميكروفون، يضّطَرُ إلى تَضخيمِ صوتِهِ-صوت الرأس، لِيُسمِعَ الجمهور صوته.بِوجودِ الوسائلِ الحديثة كالميكروفون أصبَحَتْ مهمتُنا الآن سهلة، وأصبَحَتْ إنفِعالاتُنا تُنقَلُ بِدونِ عناء. حينَ كانَ “هملت” مُختبِئاً وراء الستار، وهو ينظرُ إلى زوجَتِهِ وهي تخونُهُ معَ رَجُلٍ آخر، صَبَّ إنفِعالاتَهُ في تضخيمِ صَوتِهِ. وكذلك في “برنس أوجور” ، حينَ كانَ “برودي” ينازعُ الموتَ، كانَ من الفروضِ أن يكون صوتُهُ خافتاً، إلّا إنَّهُ كان مسموعاً على بُعدِ ثلاثة كيلومترات. هذا كُلُّهُ لِعَدَمِ تَوَفُّرِ الميكروفون لِنَقْلِ الإنفعالات كما هيَ. ،نحْنُ تَجَنَّبنا كلَّ هذه التقيدات، بِأن عَمَدْنا إلى تَمْييزِ عَمَلَنا ومَسرَحَنا بِطابِعِهِ الموسيقي، وسَمَّيْناهُ المسرحَ الموسيقي. الصَوتُ في هذا المسرحِ من الصَدْرِ، إنَّهُ الصوتُ السولو، الصوتُ الشرقيِّ الذي تَسْتَغيهِ الأذنُ.
س: ما مُستوى هذه الأعمال؟
ج: أنا أتحدّى أيَّ واحِدٍ يَستَطيعُ أن يأخذَ نَصَّاً للرحابنة ، أولَحناَ موسيقيّاً لهم ويُقارِنُهُ بأيةِ مسرَحيةٍ أو غنائيَّة من البلاد الأنكلوسَكسونيَّة، فسيرى بأنَّنا أفضَلُ نَصاً ولحناً، وأعلى تَوَتُراً في الموضوعِ وأعمَقَ معالجةً لهُ. تَفَوّقُهُم علينا هو فقط بالتقنية، بالطاقة وبالكثافة السكَّانيَّة. الكثافة السُكّانيَّة تُشَجِعُهُم على الإنفاق على أعمالِهِم الفنِّيَّة، ليقينِهِم بأنَّ ما يصرُفونَهُ سيستردّونَهُ دون عناء زائد ومن هنا إسرافُهُم على التقنية وتضخيم الأوركسترا والكورال وتنويع الملابس على المسرح.
نعم، أنا متفائلٌ بمستقبل الموسيقى العربيَّة، ومتَيَقِّنٌ من تَفَوُّقِها بالنصِّ وباللحنِ.
هذا بالنسبةِ للرحابنة. لا أستَطيع أن أتَكَلَّمَ عن الآخرين، إلّا أنني مُلِمٌّ بإنجازات الأخ الثالث إلياس الرحباني، فقد حَصَلَ حتّى الآن على خمسة أو ستة جوائز عالمية، من خلال مسابقات عالميَّة، عادةً، يشتَرِكُ فيها فنَّانونٌ من 70-80 دولة، وحديثاً كان في مسابقةٍ موسيقيَّة، في حقلِ الإعلان، ومن بين 110 عَمَلٍ إعلاميِّ موسيقي جاء عَمَلَهُ في المرتبَةِ الثانية يَعْدَ عَمَلِ فرانك سيناترا الذي جاء في المرتبة الأولى.
س: أعمالُكُم انطلَقَتْ من تُراث الضيعة اللبنانية، وارتبطَ بها، نشأتم في أكتافها، الضيعة، حيثُ تَعَوَّدَ الناسُ فيها ألإجتماعَ في ساحتِها كُلّ أصيل وكُلّ نهاية أسبوع، تُواكبُهُم رفرفات الطيور وزقزقاتَها، وخُوارَ وثغاء الحيوانات الأليفة. الضيعة تستفيقُ على صياحِ الديكة، وامتشاق الزنبقِ والمنثور، وحيثُ همهمة جرّاشة البرغل، ودقات جرن الكبة. تمَكَنْتُمْ من نقلِ هذه اللوحات ونشرها بين الناسِ خارجَ الوطن الصغير، وعلى المدى، فاتَّسَعَ الوطنُ حدوداً. ما عُمق هذا التراث فيكم؟ وما امتدادكم في الوطن؟ وهل للفنِّ وطن؟
ج: بالمطلَقِ الفنُّ لا وطن لهُ، ولكنَّهُ يَنشَأُ في مكانٍ وفي حيزٍ وغلى أرضيَّةٍ. الفنُ يفقدُ صدقيَّتَهُ إن لَمْ يَنتَمِ إلى أرضٍ معيَّنة. أنا كفَنّان بحاجة إلى أرضٍ أقفُ عليها، وأستوحي عواطفي منها. أنا ابنُ هذا الشعبِ أنتمي إليهِ وعواطفي تُعَبِّرُ عن عواطفهِ. رُبَّ قائلٍ: في الحدودِ تنفتِحُ لَكَ نافذةً إلى اللامحدود. خُذ أيَّ مُؤلِفٍ موسيقيٍّ عالميٍّ، ميستيوفسكي مثلاً ، لا يمكن أن تقولَ عنهُ أنَّهُ في ضيغةٍ ما كان رَجُلٌ يُدعي فلان ، هو بحاجةٍ إلى أرضٍ تحملُ حكايتَهُ وعليكَ أن تُسَمّيها. تخترعُ ضيعةً روسية لأشخاصٍ محلِّيين؟ تبقى العواطفُ مُرتبطة بالمكان والبيئة. خُذْ، مثلاً، مسرحية “بيّاع الخواتم”، هي قصةُ مختار من ضيعةٍ جبليَّة لنا، لكي يُشغِلَ أفكار الناسِ وكي يَظلُّ مسيطراً عليهم ابتكرَ لهم شخصيَةَ مُجرمٍ إسمُهُ “راجح”، كان همُّهُ أن يسرُقَ معزاتَهم ، ويتلُفَ محاصيلَهُم، وينشر الخوفَ والقلقَ في ضيعتِهِم، ولا يقِفَ بالمرصاد لهُ ويحميهم منهُ إلّا المختار. هيَ قصَّةٌ على مستوى الضيعة ولكنها، بمغزاها، هي قصَّةُ الحاكمِ الذي يَخترِعُ لشعبهِ الإستعمار:”بيِخْتَرِعْلُن الشيطان وبيقولُن أنا بخلّصكُن من الشيطان”. وهكذا، فوقوفُكَ على أرضٍ معيَّنة يُنمّيَ فيك شعوراً بالإنتماء إليها، وحينها، تكونُ عواطِفُكَ مرتبطةً بآلام شعبك وأوجاعهِ وتوقِهِ إلى الحرّية والتقدم والإبداع، وهذا ينعكسُ على كلِّ عمليَّةِ فنٍّ وابتكارٍ. ثُمَّ أن هناك دورٌ للموهبة ودورٌ للدرسِ والخبرة والممارسة.
س: إرتباطكُم بالفولكلور المحلّي اللبناني أدّى إلى إبراز شخصيّاتٍ مثل مخول وسبع ونصري أبو دربكة، التي تَمَيَّزَت ببساطتِها وعفويّتِها. ‘عَهِدُهُم الناسُ وعاشوا معهم في لقاءاتهم بساحة الضيعة، وفي نزهاتهم غلى طريقِ الموَيْ، وفي تزاحمِهِم على اجتذابِ انتباه الصبايا، حتى ولو تطلَّبَ ذلك كسرَ مزراب العين. أينَ الساحة الآن؟ وأين هؤلاء الأشخاص؟ أين أصبحوا؟
ج: سبع ومخول ونصري ما زالوا يلتقون في الزمان. جاءوا وشهدوا عملية الحدَوث تنبثِقُ من العدم، هُم وَلّوا ، ولكنَّ الحَدَثَ لا يعودُ إلى العدم، لقد تَرَسَّخَ في الوجودِ، هُم هُنا، وفي عُمقِ ابتساماتِ الناسِ التي شاركتهُم في عواطفهم البدائيَّة الحلوة والبريئة والمتناقضة في آنٍ واحد. لا زالت الناس تفرَحُ بهم كلَّما أطَلّوا من وراءِ المذياع. راحوا ولم يَعُد لهم وجودٌ في المكان، أمّا الحدث فباقٍ في الزمان.
س: الضيعة، أما تزالُ في مكانها، أم أنَّ رياحَ المدنيّة ذَرَتْها هباءً؟
ج: قليلة هي الضيَعُ، وللأسفِ الشديدِ، التي ما زالت محافظةً على التقاليد والتراثِ. نحن شعبٌ يطاردُنا النسيانُ، ومهددٌ أن يتحوَّلَ إلى شعبٍ لقيطٍ. علينا أن نعودَ ونتمسَّكَ بتراثنا. أنا إنسان يؤمنُ بأننا لا نستطيع أن نعيشَ بمعزلٍ عن التيَّارات العالمية، ويجبُ، دائماً، أن نطلُبُ العلمَ وننهلُ من المعرفة، والعلم والمعرفةُ لا وطنٌ لهما، وفي الوقتِ نفسه، أنا إنسانٌ مشرقيٌ، وللشرقِ حضارة، والحضاراتُ تتواصلُ ولا تُلغي بعضَها. أنا لن أتخَلّى عن شخصيَّتي وتراثي. الناسُ لهم شأنهم، منهم من تأَوْرَبَ ومنهم من تأمْرَكَ. الصلات العائليَّة التقليديّة مطاردةٌ من قِبَلِ حضارة مبنيَّة على المادة ولا تؤمن بـ”المورال”. هذه الإتجاهات أثَّرَت علينا، وبسببها تبدو الضيعةُ اللبنانية مهددةً بالزوال. ليسَ هناك توجبهٌ مؤسساتيٌّ، ولكن أنا أؤمنُ بأصالةِ مواطنينا، وإني على يقينٍ بأنَّهُ سيتجَنَّدُ يحضارته، و سيتيقَّنُ بأنَّ الإنسانَ حقٌّ وخيرٌ وجمالٌ، ومتى عرف الحقَّ والخيرَ عَرفَ الجمالَ. البشاعةُ هي ضدَ الحقِّ ، والفضيلةُ لا تنتُجُ إلّا الفضيلة، والخيرُ لا يُنتِج إلّا الخير، ومن هذا المنطلق سَيَصعبُ على الإنسان قطعَ الشجر والقضاء على الغابة ليصبَّ مكانها الإسمنت.
س: بين مجتمعِنا العميقِ الجذورِ وذو ولاءٍ للتراث وفخرٍ به ، وبين مجتمعٍ أمريكيٍّ حديث ولكن عديم التراث، يوجدُ تناقضٌ، فأين تتصوَّبُ إتجاهاتنا؟ وكيفَ ترى جالَ مساهمتنا في الركبِ الحضاريِّ؟
ج: نحنُ على مشارفِ الألفية الثالثة، ولا بُدَّ من عملية تغييرٍ جذريَّة تضَعُنا ، مرَّة أخرى على المسار الحضاريِّ، وعلى مجتمعنا أن يستأنفَ عمليَّةَ الإبداعِ. نحنُ مُلزَمونَ بأن نُحَقِّقَ إنجازاتاَ في شتّى المجالات، إنجازاتٌ في الطبِّ والهندسة والفلسفة والأدب والفنِّ والموسيقى، وفي كلِّ الأدوات الحضارية التي تجعلُنا بحجم العالم الذي يحيط بنا. نحنُ لا نستطيعُ أن نتوقَّف، وان توقفنا غزتنا إسرائيل. ” أنا بْوَجِّهْ إصبع الإتهام لأمريكا، هنّي شعب إجا وْطَيَّرْ الهنود الحمر وقَعَد مطرَحُن، وبْهالمفهوم سَمَحْ لَإسرائيل تْطَيِّرْ الفلسطينيين وْتِقْعُدْ مطرحُن”، مفهوم الغرب أنَّ إسرائيل حضاريّة أكثر مننا، وأننا لسنا بمستوى حضاريٍّ لائق، لا، ولا يَحقُّ لنا الحديثُ عنها. وَحْدُنا نستطيعُ أن نُغَيِّرَ من نظرةِ العالمِ إلينا. خسرنا معركة المدفعِ، والمدفَعُ لم يكُن كفوءاً ولن يكونَ اليومَ. يجبُ أن لا نخسرَ معرَكَةَ الفكرِ والعلم والبناء، كفاءَتُنا ستمكننا من القيض غلى زمام الأمور، يجب ألّا ينحسِرَ العنفوان الحضاري عن أرضنا، وإن انحَسَرَ فسيطغي غليناالعدوُّ إقتصادباً، يُلوحون بأعلام الصلحِ، أنا لا أصالح. لا زالوا يحلمون بأرض الميعاد، وأرض الميعاد في كتابهم هي الأرض التي كانت تُدعى أرضَ كنعان، وهيَ ليست فلسطين فقط بل تشمُلُ سورية ولبنان. “بعدَ ما شرَّدَهم طيطوس ، وعلى مدى ألفين سنة ضلّوا كلما التقوا يقولوا لْبَعْضهُمْ انشا الّله السنه الجايه في القدس، رجعو للقدس بينامو خمسين سنه تانيه… 100 سنه… ألف سنه… بيرجعوا ينطّوا من جديد… تل مرديخ يإبلا السوريه ليش قالوا طلع فيّا توراة؟ لَيقولوا إنّو في يوم من الأيّام كانوا هَونْ. حدود لبنان ما حددتها معاهدة سايكس-بيكو، ليش؟ لأنّو طامعين بالمَيْ، والتلج والمناخ، ناويين يحقّقوا أرض الميعاد، وهنّي ما راح يغيروا من هالتفكير، وأنا بتصوَّرْ ناويين عْلَيِّ. بْيِدِّعو حضارة؟ يا خيّي ما هِنّي سرقو الحضارات، نشيد الأناشيد المنسوب لسليمان ما هُوّي من تأليف شاعر من صور أنشدو في عرس سليمان، المزامير يا مولانا ؟ كل مزمور بيحمل صفات بعل إله الكنعانيّين ساكن الرعود والغواصف، وبعدين كل هالأسفار والنبوات جذورها بحضارتنا بجبيل وبرأس شمرا سرقوها ونسبوها لَإلُن. هناك فرق بين رسالات روحيّه تؤمن يإنّو الله مسامح وغفور وعادل، وبأنّو الإنسان ما بينتهي بحُفْرَه يل هناك قيامه وبين رسالات تؤمن بتوطين الجثَّه, وترى في الله منتقماً جَبّاراً يفتقدُ ذنوبَ الآباء في الأبناء إلى الأجيال الرابعه والخامسه. قد بدأت معركتنا الحضاريَه وأدواتها الثقافة والعلم وكل مجالات المجتمع الخيِّره. علينا أن نستَعدَّ وغلينا أن نأخذ مواقِعَنا، وعلينا أن نُجَنِّب العرَبَ عمليةُ استعبادٍ وهيمنة تأخذُ أشكالاَ إقتصاديَّة وعلميَّة وفكريَّة وفنِّيَّة.
س: نعودُ إلى الموضوعِ الفنِّيِّ، الذي هو موضوعٌ حضاريٍّ، فنُلاحظ بأنَّ الأغنية العربية عاشت عصراً ذهبيّاً امتدّ على مدى ستة عقودٍ حيثُ تطوَّرَت إلى مستوى القصيدة والمونولوج والأوبريت، ثُمَّ غدَت زاهيةً في مسرحكم الغنائي، إلا أنَّها الآن هي ضحلة وبلا نوعية فما رأيك؟
ج: في كل شيء لا بدَّ من التحوُّلِ من الكمية إلى النوعيَّة. ومن جهة أخرى ، وبلا شك، حدثت نهضة مع سيِّدْ دَرويش. كان طليعيّاً وفي الوقتِ نفسه كان شعبيّاً. في طليعيَّتهِ استوحى من الألحانِ العالمية التي جاءت إلى مصر كالألحان الإيطاليّة، واحتَكَّ بالقدود الحلبيَّة في زيارتيه إلى الشام. وفي شعبيَّتِهِ حافظَ على الطابع الوطني المصريِّ مئة بالمئة. ويجبُ ألّا ننسَ محمد عبد الوهاب فهو مهمٌ كثيراً، طَوَّرَ الجملة الموسيقيَّة العربية وجعلها في منتهى الأناقة، أنيقةً بإلقائها، وأنيقةً بغنائها. صحيحٌ بأنَّ عبد الوهّاب ما كان قادراً على التأليف الموسيقي الهارموني، ولكنَّهُ كانَ رائداً في جلبِ موسيقيين ساعدوهُ على إيجاد أوركسترا عربيَّة، ثُمَّ أنَّهُ استعملَ آلاتاً موسيقيَّة كالفلوت والآلات النحاسيَّة التي كان المجمع الموسيقي العربي قد نَصَحَ بعدم استعمالها، ولكنَّهُ فَتَحَ الطريقَ ونَجَحَ فيها. من جهتنا نحنُ الرحابنة ابتكرنا نوعاً جديداً من الموسيقى وغيَّرنا بتوقيت الأغاني.
س: هل هناك انحدارٌ في مستوى الأغنية؟
ج: هو انحدارٌ شمَلَ العالم كلَّهُ، ولكنَّ يقيني بأنَّ دورةَ الإنحدارِ ستليها دورةُ صعودٍ، فالدنيا كلُّها دورات هبوطٍ وصعودٍ تتوالى.
س: ظَهَرَ المسرحث الغنائيُّ مغ سلامة الحجازي، وأخذَ يتطوَّرُ مع سيِّد درويش ووصلً إلى درجة عالية من الإبداعِ والإتقان من خلال أعمالكم وجهودِكم، أينَ هو الآن؟ وكيف ترون مستقبلهُ؟
ج: مثلما قلتُ سابقاً، المسرحُ الغنائيّ ليس له شبيهٌ في العالم، وهو ابتكارٌ رحبانيِّ. الشيخ سلامة الحجازي ألَّفَ أغانيَ وموسيقى وأدَّاها على المسرح. سيِّد درويش اقتبس الأوبريت وغنّاهُ، أمّا نحنُ فقد ألَّفنا مسرحياتاً موسيقية وغنائية بمعناها الكامل.هي ، في الحقيقة، أوبرا ولكن نحنُ سمَّيناها مسرحيات غنائيَّة، فقد جمعت الموضوعَ، الذي هو مستوحى من حكايات الضيعة ومشاكلها (أفراحُها وأتراحُها) مع الموسيقى التي استُوْحِيَت من الفولكلور المحلّي مع الرقصات الشعبيَّة.
س: قد يكونُ للحديثِ شجونٌ، الذين رحلوا هلّا تحدِّثُنا عنهم؟
عاصي الرحباني؟
ج: لا يزالُ حاضراً معنا، إنَّهُ في كلِّ شيء.
س: فيلمون وهبي؟
ج: فنّانٌ ذو طابعٍ مميَّز، وروحٌ حلوة، وموهبة فطريَّة أصيلة. نفتقدُهُ كلَّ لحظةٍ.
س: نصري شمس الدين؟
ج: كان أصيلاً ومبدِعاً في كلِّ دورٍ قام به. نصري أبو دربكة، الناطور، جدّو، المختار، كان كلَّ هؤلاء وكان مَلِكاً.