التاريخ ان حكى

د. جورج يونان

دعى قداسة البابا رؤساء الطوائف المشرقية لمؤتمرِ في الفاتيكان، ليس لبحث الأمور الكنسية، وإنما لبحث الأمور المعيشية الصعبة، التي هي همُّ كل مواطنٍ مُسلمٍ إلى الله في الهلال الخصيب، سواء أن كان محمدياً أو مسيجياً. وكان بابا روما قد زار المرجعية السنِّيَّة في الأزهر، كما زار المرجَعِيَّة الشيعية في النجف. وبعدَ هذه الزيارة، نَشَرَ الكاتب العراقي علاء اللامي مقالاً في ” الأخبار”، في 17 آذار 2021 مستَهِلّاً كلامه بهذه العبارة: ” انتهت زيارة بابا الفاتيكان فرنسيس الأول إلى العراق بنجاح بروتوكولي واضح، ولكنها خَلَّفَت وراءها، مثلما سَبَقَتها، تساؤلات كثيرة ذات مساسٍ بالجوانب السياسية والدينية التاريخية لها وللمنطقة”. فهل صحيح أن الزيارة كانت مجرَّدَ زيارةٍ بروتوكولية، وخلَّفَت تساؤلاتٍ فقط ولم يكن لها معانيَ إيجابية ذات مساسٍ بالجوانب المعيشيَّة أوَّلاً ثمَّ بالجوانب السياسية والدينية والتاريخية في المنطقة ثاتياً؟
للأسف الشديد فإنَّ النظرة إلى تاريخَنا السياسي مشبوبةٌ بعمقِ الخنادِقِ الدينية وبعُلُوِّي المتاريسِ الطائفية والعشلئريَّة، هذه “الثقافة” تَغَلغَت عمقاً في نفسِ إنساننا، وسيطرت على ردُّ فعلِهِ. ومن الإدِّعاءات السلبية التي خرجت من تلك الخنادق ومن وراء تلك المتاريس. زعم أرباب التطبيع مع العدو، والإعلام المتصهين، وبتهليل منهم، بأنَّ زيارة البابا إلى “أور” هي محاولةٌ إحياء للإبراهيمية الثلاثية، وأطلقوا على “أور” لقب مدينة إبراهيم، وتجنَّبوا الحديث كُلِّيَّاً عن المغزى الحقيقفي للزياره إلى سهل نينوى. وقد حاول الكاتب علاء اللامي في مقاله تفنيد هذه العلاقة بين إبراهيم و”أور” بدعائم تاريخيَّة، لابل لَمَّحَ إلى أنَّ البابا لم يرد أن يزجَّ بالكيان الصهيوني بين دُوَلِ المنطقة في “وثيقة الأخوَّة الإنسانية” مع المرجعيّة السنِّية، ولو أنَّها لم تُوَقَّع بعد.
نَعَمْ، هناك تساؤلات قبل الزيارة، ولكن الأماكن التي وَطَاَتها ،قدماه، برأيي، ودعوته للكنائس المشرقية كان لها إيحاءات أيجابية عِدَّة، يمكن التعويلُ عليها ودعمها لتَتَرَسَّخ في ثقافة الناس. فالأرضُ تستفيقُ اليوم، وتئِنُّ من ألمِ جراحها المثخنة، وتنطقُ عن الماضي البعيد. وما يظهرُ الآن على المسرح الدولي من خيبة للجموح الصهيوني والإستعماري الغربي أمام تململِ شعوب الغرب ضد الإبتزاز الصهيوني على المسرح العالمي. فقد آن الأوانُ لتغيير نظرتنا إلى شعوب العالم. نعم نحن عادينا حكومات الغرب الإستعماري، ولكن عادينا ايضاً شعوبها التي كان من الممكن كسبها إلى جانبنا لو تَوَفَّرَالجهد التنظيمي الكافي لجالياتنا المنتشرة في القارات الخمس، وانتشارها أوسع بكثير من الجاليات اليهودية المتصهينة.
الدعوة إلى المصالحة بين الأديان، وردم الخنادقِ وتدمير المتاريس، ضرورة يُددركُها الغيورون على شعب بلاد الرافدين والهلال الخصيب. ويجبُ عدَمُ التفريط بها بإنكارها أو بالتشكيك في صدقِيَّتِها، فقد سَبَقَ أن زار البابا المرجعية السنِّيَّة، وتلاها بزيارته الأخيرة للمرجعية الشيعِيَّة، وختمها بزيارة لمرجعية الكنيسة المشرقيَّة رغم صغرها، ومن بينها الكنيسة الكاثوليكية الكلدانيَّة، إلّأ أنّ الكنيسة المارونية الكاثوليكية المشرقية غًيِّبت عنها وكان الأحرى أن تكونَ حاضرة، وهي التي تدَّعي بتمثيل المشرق. قداسة البابا لا يجهلُ تاريخ الكنيسة، وهو قد لاحظ جنوح الإنسان والكنيسة ( خصوصاً البوتستانيَّة) في الغرب إلى التوراتيَّة، وهو ما حَذَّر منه بولس الرسول والمسيحيين الأوائل ( أهل إنطاكية عاصمة العواصم في الهلال الخصيب)، وكان مدار صراع بينهم وبين اليهود المتنَصِّرين (النصارى= من الناصرة)، انتهى بارجحية رأي بولس والمسيحيين الأوائل في مؤتمر القدس عام 49 ميلاديَّة. ويعرفُ البابا بأنَّ الشرقَ بمسيحيّيه ومحمَّديّيه ما زال حريصاً على تراثه الروحي والإنسانيِّ بعكس الغرب الذي يميلُ الآن أكثر نحو المادية. والبابا يعرِفُ أيضاً بأن هذه الأرض كانت قاعدةً لديانتين توحيديتين اسلاميتين (الإسلام لله الواحد). هذا المفهوم، الإسلامُ للهِ، سَبَقَ الأديان بقرون، يوم آمن الناسُ بوحدانية الله، فقد قيل بأنَّ إبراهيمَ الخليل الذي عَبَدً إلهاً واحداً “إيل”، كما سَمَّاهُ الآراميون، قالّ لزوجته ساره، لتبرير قولِهِ لفرعون بأنَّها أخته”: إنَّكِ أختي في الله فإنَّهُ ليس في الأرض مُسلِمٌ غيري وغيرِكِ”. وفي هذا المفهومِ للإسلام، رُوِىَ عن الرسول في أحاديثِهِ عن دمشق: ” من سَكَنَ دمشق نجا” و أربع مدائن في الدنيا من الجَنَّة، مكة والمدينة وبيت المقدس ودمشق” ومخزى حديثِ الرسولِ عن دمشق وبيت المقدس، تَوَضَّحُ جلِيّاً في حديثه التالي: ” معقلً المسلمين أيَّام الملاحم، دمشق” ، فحين صدرت منه هذه الأحاديث لم تكن الفتوحات قد وصلًتْ إلى المدينتين، فكلمة الإسلام عَنَتْ كلَّ من أسلَمَ لله، وعلى أساس هذه الأحاديث، قال أنطون سعاده، المُلِمِّ بالمدونات الإسلاميَّة، مقولته الشهيرة: ” ليس من سورِيٍّ إلّأ وهو مُسلمٌ لرب العالمين، فمنَّا من أسْلَمَ لله بالقرآن، ومنَّا من أسْلَمَ لله بالإنجيل، ومنَّا من أسلَمَ لله بالحكمة، فقد جَمَعَنا الإسلامُ وأيَّدَ كوننا أُمَّةً واحدة، وليس لنا من عَدُوِّ يُقاتِلنا في ديننا وحقِّنا ووطننا إلّا اليهود”.
والمصالحة أيضاً قصدت الكنائس المشرقية، فقد اتَّسَمت علاقة روما بالكنيسة المشرقية وبالمشرِقِ بالعداوة خلال قرونٍ طويلة، فباباوات روما وقعوا في مطبات السلطة السياسية ، وأصبحوا، في فترةٍ من الزمن، صنيعةً للإمبراطوريات الكاثوليكية، وخصوصا إمبراطورية فرنسا، التي كانت أكبر دولة كاثوليكية في العالم، وامبراطورية إيطاليا التجاويَّة، الدولة الكاثوليكية الثانية في العالم ، حيث حصلت المساومات التجارية في “جَنَوا” و “بيزا” و”البندقية”. حصل هذا في الكنيسة الغربيَّة في الوقت الذي ابتعدت فيه كنيسة المشرق عن السياسة، وشدَّدت على رسالتها الروحانية. حسبَ المؤرِّخ نقولا زياده، خَلَتْ المسيحية من الكهنوت بكلِّ مراتبيَّته في القرنين الميلاديين الأوليين ، إلى أن كان الإنفصال وبدء العداء في “أفسس” عام 431 ميلادية وفي “خلدونية” عام 451 ميلادية. ومؤتمر «أفسس» لم يُعقد لخلافات عقائدية كما أشيع، إنما لرغبة روما وأباطرة أوربا في التسلّط، مع أن الخلافات اللاهوتية على طبيعة المسيح كانت موجودةً بين الكنائس الغربية التابعة لروما حتى بعد «مؤتمر خلدونية» الذي عُقد بعد عشرين سنة من «مؤتمر أفسس»، أي حتى عام 451 ميلادياً. ويصف المؤرح الدكتور أسد رستم، هذه الحال، في مقدّمة كتابه «كنيسة مدينة الله أنطاكية العظمى. الجزء الأول. ص. 22 : «ولم يخلُ حقل الرب في فرعيه الغربي والشرقي من الزوان، من حبّ السيطرة، والمجد الفارغ، ومن الطمع والحسد وسوء الظن والحقد. فكان انشقاق مؤلمٌ مخيف».
كما أنَّ روما كانت وراء الحملات الصليبية الأربع، في هجومها على المشرق، هذه الحملات التي عانى منها المشرقيون، وكان منها أيضاً صراع السلطة بين من أشعلوا الحربين العالميتين، ومن بعدها استفرادهم بالشعوب المقهورة على موائدهم الشيطانية التي منها مائدة «سايكس ـ بيكو» وفتاتاتها في الهلال الخصيب. وليس هناك أبلغ ممّا قاله الدكتور فيليب حتّي عن الحملات الصليبية حين استجاب الرعاع السذّج في أوروبا لدعوة البابا أوريانوس الثاني عام 1095 بالزحف إلى كنيسة القيامة: «على أن هذه الاستجابة لم تكن بجملتها وليدة الدافع الديني الذي غذّته الكنيسة، بل كان هناك، فضلاً عن المتدينين، القواد العسكريون الطامعون بالاستيلاء على مناطق جيدة، والتجار… لا سيما تجار جنوى والبندقية وبيزا، الذين كانوا أشدّ اهتماماً بالشؤون التجارية منها بالأمور الروحية، ثم أرباب الخيال البعيد، والنفوس المضطربة، وعشاق المغامرات، فهؤلاء كانوا على قدم الاستعداد أبداً للانضمام إلى حركة بارزة، وكذلك المجرمون والخطأة الذين نشدوا الغفران بالحجّ إلى الأرض المقدّسة التي وطأتها قدما المسيح، ومثلهم من منّوا بالشفاء الاقتصا دي والاجتماعي، فكان حمل الصليب راحةً وتفرّجاً لهمومهم أكثر منه تضحية». (حتّي، «تاريخ سورية»، الجزء الثاني. ص. 223) . إضافة إلى احتلالهم القدس، احتلّوا الرها وأنطاكية، الجزيرتان البشريتان المسيحيتان المستقلتان في البحر السلجوقي المحيط بهما آنذاك. في هذه الحملة، وإضافة إلى عمليات النهب والسرقة والاعتداء على الأعراض، ذهب ما يزيد على سبعين ألف قتيل في القدس وحدها من مسيحيين ومسلمين. ثم كانت الحملة الرابعة التي فيها احتلّوا القسطنطينية البيزنطية ونهبوها.
أمَّا المفهوم الذي تجاوزً الحقيقة فقد ابتكرَهُ الذين يقودون اليوم حملات التطبيع مع العدو، إذ رَوَّجوا مقولة إحياء ما يُسمَّى بالإبراهيمية فأطلقوا على “أور” إسم مدينة إبراهيم كما فعلوا بأورشليم-القدس إذ سَمُّوها مدينة داود. فمن هو ابراهيم؟ وماهي مدينة “أور” ؟
ليست كلَّ الرواية التوراتية مقبولة اليوم، خصوصاً بعد ما ظَهَرَ من باطن الأرض خلال حوالي الـ150 سنة الماضية من إكتشافات تنقُضُ روايات التوراة. إبداء الرأي حقُّ مقدَّس اعترفت به البشرية جمعاء، ولكن يجب أن لا يكون مجرَّد ظَنِّ بل مدعوماٌ بالتجربة والخبرة وبحقائق التاريخ، وهذا واضحٌ وجليٌّ في حديث النبيُّ العربي في حادثة ” تأبير النخل” وكان قد نصح بعدم جدوى تلقيح النخل ولما لم يُنتج النخل ردَّ على الناقدين قائلاً: “إن كان يَنفَعُهُم ذلك فَليَصنَعُوهُ… فإنِّي إنَّما ظننتُ ظنّاً فلا تؤاخذوني بالظنِّ… إنما أنا بشرٌ، إذا أمرتكم بشيءٍ من دينكم فخّذوا به، وإذا أمرتكم بشيءٍ من رأيي فإنما أنا بشرٌ… أنتم أعلمُ بأمرِ دنياكم… ما أنا بصاحب زرعٍ ولا نخلٍ، لَقَّحوا…”. فعن التاريخ والحقائق، يقول أستاذي في الجامعة اللبنانية، الإنطاكيِّ الهوى، الراحل، الدكتور أسد رستم في مقدمة كتابه: “مصطلح التاريخ” بأن ” التاريخ أولاً درايةٌ ثم رواية” ، معتمداً على ما تعلَّمه من علماء “الحديث” المُدَوَّن في خزائن المكتبة الظاهرية في دمشق. ويتابع: “التاريخ هو علمٌ… يعوزه ما يعوزُ سائرُ العلوم الأخرى من طبٍ وهندسة وفقه وغيرها وأنه لا بدَّ لصاحيه من أن ينشأ نشأة علميةٍ خالصة يتربّى فيها على الشروط الفنِّية التي يقتضيها كلُّ علم مما أوردنا في تضاعيف… الكتاب…” وينسُبُ الدكتور رستم الفضلَ لأبي حاتم الرازي من قوله: ” إذا كتبتَ فقَمِشْ وإذا حدَّثتَ ففَتِّشْ”(ص:3). والقمش هو جمع الإثباتات (Evidence)، وإلى المؤرخ الإيطالي جيوفني فيكو إذ قال عام 1725 م. يأنًّ ” التاريخ فرعٌ من علم الإجتماع الإنساني”.
لم تكن شخصية النبي إبراهيم يوماً ما عاملاً مساهماً في التطور الحضاري في الهلال الخصيب، فباعترافه، كان بدويَّاً أراميِّاً معروفاً بعبادة الإله “إيل” أي الله، تاه وعشيرته وماشيتهُ في بلاد الهلال الخصيب، إلى أن وَصَل إلى أورشليم ليتبارك من كاهن “إيل” الكنعاني ملكصدق. والإله إيل الذي هو نتاج الفكر الروحي الخصيبي الذي آمن به إبراهيم، والفكر المشرقي كان مصدراً للفكر اليوناني وخصوصاً أفلاطون الذي وَصفَ الله: ذو الماهية الروحية الثابتة التي لا تتغيَّر: هو “العاقل والمحرِّك والمُنَظِّم والجميل والخَيِّر والعادل والكامل”. هذا الإله هو الذي تجَسَّدت روحه في “بعل” وفي المسيحِ الجليليِّ. وتَجَسَّدَ في ذرية ابراهيم من خلال وَلَدُهُ البكر إسمائيل (ُسُمِيَّ الله) الذي منهُ ومن ذريَّتِه كانت الكعبةُ والحجرُ الأسودُ، وكانت قُريش والرسول العربي في دعوته إلى عبادة الله الواحد ذو الأسماء الحسنى ال(99 ). أمَّا ابنه الثاني من ساره، الذي وُلِدَ بعد تسعينها فإسمه إسحق، وولداهُ يعقوب وعيسو ومن ذرَّيَتهما كانت الديانة الموسوية الثي لم تعبد الإله الذي وَصًفًهُ أفلاطون، ولا الإله إيل ولا ابنهِ بعل الذين مَثَّلا كلَّ خيرٍ في الطبيعة، بل، عبدت “يهوه”، إله قبائل سيناء إله الجدب والتصحُّر الغاضب والمتجهِّم والمنتقم الدائم.
أما ” أور” عاصمة سومر، فهي، تاريخياً، وريثة “أريدو” عاصمة الحضارة “العُبَيْديَّة” حيثُ ظهرت اللغة لأوَّلِ مرة. ووريثة “أورورك” عاصمة قلقامش(اللفظ ليس بالقاف ولكن بالـGaf الرافِديَّة)، القلقُ على مصير الإنسان والبشرِيَّة في بحثه عن الخلود. أما “نينوى” التي لم يذكرها أصحاب الخنادق والمتاريس، ودعاة التطبيع مع العدو فكانت خاتمة زيارة قداسة البابا, فنينوى بالإضافة إلى أنَّها عاصمة أكبرَ إمبراطورية في الشرق، فهي مدينة النبي يونان (يونس)، وذكراهُ تُسمَّى “باعوثا” التي يصومُ فيها المتديِّنون في الكنائس المشرقية لمدة ثلاثة أيَّام متتالية بلا طعام، وكانت نينوى أيضاً عاصمةً للملك المثقَّفِ آشور بانيبال وبجهودهِ مَثَّلَت صرحاً ثقافياً في حضارة الهلال الخصيب بمكتبتها العامرة التي حَوَت أكثَرمن ثلاثين ألف رقيم، والتي جعلتها شقيقةً للعاصمة الثقافية الأولى “بابل”.
كانت مدن الرافدين هذه بالإضافة إلى “لقش” (بالـ Gaf ) ومدنٌ أخرى قاعدةً للحضارة الإنسانية، بدأت بسكنى الإنسان وحصاد القمحِ الوحشي، ثمَّ تطوُّرت الحياةُ تصاعدِيّاً بتلازُمِ عناصرها الإجتماعية، والإدارية ، والتشريعية، والإقتصاديَّة، والروحية، واللغوية-الثقافيَّة، فزرع الإنسانُ القمحَ بدلاً من جمع القمحِ الوحشي، ثُمَّ بنى القرى وبعدها المدن، وظَهَرت المجتمعات لأوَّلَ مرة، ثُمَّ أنشأ الدولة لإداراتها بفضلِ الملك الأكادي سرجون الأول، وكُتِبَت الشرائع لتلك المجتمعات كَمُسَلَّمات إنسانية، منها أنَّ الكونُ حركةٌ ونظام ، وسُّخَّرَتْ البيئة، بنطاقها الجغرافي، في دورة إقتصاديَّة واحدة من أجل خدمة الإنسان، وَتَوَحَّدَت اللغة في صوتها وجذرِها وأبجدِيَّتها.
لم تكن الحضارة يوماً حكراً على أمة، إلَّا أنَّها بدأت في هذه المدن وعلى هذه الأرض التي وطأتها قدما قداسة البابا، ومنها انتقلت إلى الأمم الأخرى كما ينتقلُ الماء بين الأواني المستطرقة ( التعبيرللأب إيلي كسرواني). وزيارة البابا إلى هذه الأرض المقدسة ودعوته للناس في البقاء في الأرض، والتمسُّكِ بالعيش المشترك والتآخي بين الأديان، مغازيها واضحة، وهي استعادة المسيرة الحضارية لـ ” أور” و”بابل” و “نينوى” وجميع المدن الأخرى التي ظهرت بعدها على طريق السلام، وبعيداً عن التفسيرات التي تأتي من وراء الخنادق والمتاريس الدينية والطائفية التي أرهقت شعبنا ببشاعة كوارثها. في الواحد من تشرين الأول، من عام 1921 ، كتب أنطون سعاده في حريدة “الجريده” في البرازيل بأن العصبيات الدينية والدعوات الصهيونية إذا تَحَكَّمَت بشعبنا ستجلبُ عبيه الويلات. (الأعمال الكاملة، ج1، ص 11).