المرأة العربية: ذهبُ الذكر وذبيحته؟

في النقاش حول حرّية المرأة، ثمّة تركيز على الحجاب من قبل الذهنية الأصولية، سواء كانت محمدية أو مسيحية، معتبرةً الحجاب لباساً إسلامياً. وقد أنحى الأستاذ محمد شحرور باللائمة على فقهاء القرن السابع الميلادي وما بعده، ومنهم الإمام الشافعي. إذ رأوا أن الثقافة العربية لهذا القرن والقرون التي تلته، بتقاليدها وعاداتها وسلوكيتها، جزء من الدين، وجعلوا هذه الثقافة، بتفاصيلها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، شرعاً إسلامياً. فبرأيه «ليس هناك شيء اسمه لباس إسلامي. هناك لباس عربي، ولباس هندي، وأفغاني… وما يسمَّى اليوم الحجاب الشرعي هو لباس عربي، وليس إسلامياً». ويتابع: «في ما يخص الحجاب، فإنني أعتبره كمفهوم وغطاء للرأس ليس له علاقة بإسلام ولا بإيمان، بل هو من العادات القومية والمحلية ويتَّبع أعراف المجتمع في شكل كامل» (جريدة «النهار»، الملحق الثقافي، 5 آب 2000).

ولكنْ هناك آراءٌ أخرى: فالحجاب كان له وجودٌ قبل القرن السابع، وكانت له صفة تعبيرية، ففي أول نشأته التاريخية لم يكن لباساً مرتبطاً بشعائر دينية، ولا كان مجرد غطاء للرأس، كان في البدء مظهراً من مظاهر تعبير المرأة عن حبها وإخلاصها للرجل، كما هو الخاتم في بنصر الزوجين الذي لا يزال سائداً حتى اليوم. وحبّ وإخلاص المرأة والرجل بعضهما لبعض، أصبحا مقولة سماوية باركتها كل التجارب الروحية في المشرق، والسبب يعود إلى طبيعة الشعوب القديمة التي عاشت في الجزيرة العربية، في الهلال الخصيب وعلى ضفاف نهر النيل؛ إذ «يجمع كل المؤرخين على أن شعوب الشرق القديم عاشت وتطورت دائماً في جو من التدين. ففي مصر وفي بابل – آشور – كلدو، وفينيقيا كان الدين أساس المجتمع، هو ملهم الفن والقانون والمؤسسات ويسم بسمته الحياة بأسرها» (جواد بولس، «شعوب الشرق الأدنى وحضارته»، الجزء الأول، ص 149). إلا أن الحجاب دَخَلَ الأديان كلَّها ولم يكن احتكاراً لدين، ولم يستخدم في أول عهده كقفص لخنق انفعالات المرأة العقلية والجسدية وكأنها عنصر تهديد للمجتمع، وإنما استعملته المرأة كتعبير لولائها لزوجها؛ وهو التعبير الوحيد الذي ساد في ذلك الوقت. وبهذا المفهوم، فإن تركيز الأديان كان ولا يزال على هذا الولاء، وليس على وسائل التعبير عنه التي قد تختلف وتتغيّر من عصر إلى عصر. والولاء شعور متبادل لا يشرّع، وفي ماهيته لا يعترف بأي سلطة إلا سلطة الحب، الذي قال عنه الفلاسفة بأنَّهُ لا يوصف بكلمات. الحب شيء طوعي، السعادة فيه ليست بتقييد الآخر، رجلاً كان أو امرأة، وإنما المشاركة في كل شيء في الحياة جسدياً ومادياً وروحياً وعلى السرّاء والضرّاء.

وعودة إلى التاريخ وإلى تجربة الإنسان ترينا أن الحجاب عهدته شعوب الهلال الخصيب والجزيرة العربية منذ أقدم العصور. ويورد الدكتور فيليب حتي عن الإلهة السورية أتارغاتس، زوجة الإله هدد، بأنه كان «هناك نموذج غريب لأتارغاتس على النقود من هيرابولس حيث تظهر محجبة. ووُجدت صور أخرى كثيرة لأتارغاتس المحجبة. وتظهر رسوم نساء محجبات بحجاب ثقيل، يشبه حجاب أي مسلمة محافظة اليوم، على نقشٍ من معبد بعل في تدمر، وفي لوحٍ منحوت من دورا أوريس. وترينا بعض الآثار الأخرى الرأس محجباً. ويبدو أن الحجاب كان في الشرق القديم رمز المرأة المتزوجة ولباسها المفروض. وكان التشريع الآشوري من منتصف الألف الثاني ق. م. يتطلّب من نساء الرجال الأحرار وبناتهم أن يغطّين رؤوسهن حين يخرجن إلى الشارع» (فيليب حتي، «تاريخ سوريا»، ص 188). هذا الرمز، الذي هو تعبير عن حب، أصبح، مع الزمن، مرادفاً للحشمة، وأصبح فضيلة تبنّتها الأديان بسبب ما ذكرنا من طبيعة شعوب المنطقة في إضفاء صبغة دينية على كل فضيلة. وقد تبنى هذا أيضاً المجتمع النبطي. واستمر في المسيحية كديانة ظهرت في الهلال الخصيب، ومن خلال بولس الرسول الذي كان ينتمي إلى المجتمع النبطي نفسه. يقول في رسالته إلى طيموتاوس: «وأريد أن يكون على النساء لباس فيه حشمة وزينة فيها حياء ورزانة، لا بشعر مجدول وذهب ولآلئ وثياب فاخرة، بل بأعمال صالحة تليق بنساء تعاهدن تقوى الله». هذا الارتباط بين الولاء والحشمة بقي إلى اليوم، وتتبعه الراهبات المسيحيات اللواتي يغطين أجسامهن ما عدا الوجه كولاء للمسيح خطيبهن الروحي. وهن بهذا المعنى يحملن خاتماً في بنصرهن كتعبير عن هذا الارتباط بالعريس الروحي. والخاتم، كما ورد ذكره، لا يزال مظهراً من مظاهر ارتباط الزوجين تتّبعه الشعوب بمختلف دياناتها.

هذا الارتباط قال به الإسلام أيضاً؛ فقد جاء في سورة الأحزاب قوله تعالى: «يا أيّها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن، ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين، وكان الله غفوراً رحيما». وفي سورة النور قال تعالى: «وَقُل لِّلْمُؤْمِنَٰتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَٰرِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ۖوَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ ۖوَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ ءَابَآئِهِنَّ أَوْ ءَابَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَآئِهِنَّ أَوْ أَبْنَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَٰنِهِنَّ أَوْ بَنِىٓ إِخْوَٰنِهِنَّ أَوْ بَنِىٓ أَخَوَٰتِهِنَّ أَوْ نِسَآئِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُهُنَّ أَوِ ٱلتَّٰبِعِينَ غَيْرِ أُوْلِى ٱلْإِرْبَةِ مِنَ ٱلرِّجَالِ أَوِ ٱلطِّفْلِ ٱلَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُواْ عَلَىٰ عَوْرَٰتِ ٱلنِّسَآءِ ۖ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ ۚ وَتُوبُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ». إلا أن الأستاذ محمد شحرور، افتَرَضَ أن هناك حدّاً أدنى للباس المرأة، وأن مفهومه للحشمة هو اعتباره أن في جسد المرأة أقساماً محظورة وأخرى غير محظورة. فهو يقول: «ففي تفسيرنا للآية 31 من سورة النور، وهي آية الحد الأدنى للباس المرأة، فهمنا أن جسد المرأة كله زينة، والزينة هنا حتماً ليست المكياج والحلي وما شابه، وإنما هي جسد المرأة كله، الذي قسم إلى قسمين: قسم ظاهر بالخلق وقسم مخفي… والمخفي من جسم المرأة هو الجيوب. والجيب، له طبقتان مع خِرَقٍ، كما بين الثديين وما تحت الإبطين والفرج والإليتين، وقد أمر الله بتغطيتها. أمّا الأنف والفم والعينان فهي جيوب ظاهرة وهي من الوجه والرأس، وهذان يمثلان هوية الإنسان ولا يمكن إلا إبداؤهما» (المصدر نفسه). المرأة ليست جسداً فقط وزينة محصورة فيه، وإنما هي كلّ وكائن بشري زينته عقل وجسد، كما أن جسد المرأة في حشمته ليس خريطة ذات مناطق محظورة ومناطق غير محظورة.

هذا الرمز، الذي هو تعبير عن حبّ، أصبح، مع الزمن، مرادفاً للحشمة، وأصبح فضيلة تبنّتها الأديان بسبب طبيعة شعوب المنطقة في إضفاء صبغة دينية على كل فضيلة


الحشمة هي أنثوية بقدر ما هي ذكورية، الحشمة تنطبق عليهما بشكل متكافئ. وهذا صحيح، فالدعوة إلى الحشمة في القرآن تتوجّه إلى المرأة بقدر ما تتوجّه إلى الرجل؛ هذا الرجل الذي، في أحيان كثيرة وبفعل سلطته الذكورية المتكابرة، ينسى الآية 20 التي تقول: «قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ» فيحاول أن يفرض على المرأة ما لا يمارسه في حياته. ودعوة الكتاب إلى المساواة في الفضائل بين الرجل والمرأة تظهر أيضاً في الآية الكريمة، قوله تعالى: «إِنَّ ٱلْمُسْلِمِينَ وَٱلْمُسْلِمَٰتِ وَٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَٰتِ وَٱلْقَٰنِتِينَ وَٱلْقَٰنِتَٰتِ وَٱلصَّٰدِقِينَ وَٱلصَّٰدِقَٰتِ وَٱلصَّٰبِرِينَ وَٱلصَّٰبِرَٰتِ وَٱلْخَٰشِعِينَ وَٱلْخَٰشِعَٰتِ وَٱلْمُتَصَدِّقِينَ وَٱلْمُتَصَدِّقَٰتِ وَٱلصَّٰٓئِمِينَ وَٱلصَّٰٓئِمَٰتِ وَٱلْحَٰفِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَٱلْحَٰفِظَٰتِ وَٱلذَّٰكِرِينَ ٱللَّهَ كَثِيرًا وَٱلذَّٰكِرَٰتِ أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا» (سورة الأحزاب 35). وقال الله في أناجيله: «جعلهما الله ذكراً وأنثى. ولذلك يترك الرجل أباه وأمه ويصير الاثنان جسداً واحداً». وفي رسالته إلى أهل قورنتس يقول بولس الرسول: «فليكن لكل رجل امرأته ولكل امرأة زوجها، وليقضِ الزوج امرأته حقها، وكذلك المرأة حق زوجها. لا سلطة للمرأة على جسدها فإنما هو لزوجها، وكذلك الزوج لا سلطة له على جسده فإنما هو لامرأته». هذا برهان آخر على التركيز على الولاء المتبادل بين الزوجين. المساواة بين الرجل والمرأة هي الأساس الذي يقوم عليه بناء العائلة وهو الذي يمنحها القوة ويؤمن لها التماسك. العائلة هي أصغر وحدة اجتماعية، وأية محاولة لتهميش دور أي من عناصرها يجعلها معرّضة للقلق والاضطراب. فليس هناك اختلاف على ارتباط الزوجين بعضهما ببعض، وولاء أحدهما للآخر. ووسائل التعبير عن هذا الولاء (ومنها الحجاب) قد تختلف من زمن لآخر، ومن مكان إلى آخر. هذا الولاء يجب ألا ينقلب، بسلطة ما، إلى خصوصيات للرجل لا يقرّها أي دين. الولاء تعاقد روحي بين الزوجين تقرّه كل الأديان السماوية.

كيفَ أصبح هذا الحجاب خصوصية دينية، وكيف تمكنت الخصوصية الذكورية من استغلاله في تمتين سلطتها، وفي اعتدائها الصارخ على شخصية المرأة وعقلها؟ المشكلة انطلقت من البيت، أو العائلة كأصغر وحدة اجتماعية حيث بدأت المشاركة الأولى بين الرجل والمرأة وحيث نشأت ونمت السلطة ووحدانيتها متأرجحة بين الأمومة والأبوة. في كتابه «لغز عشتار» يقول المؤرخ السوري فراس السواح إنه «اعتماداً على عدد من العلوم الإنسانية، هناك أدلة كافية على وجود شكل من أشكال العائلة سبق شكلها الأبوي الحديث، لا يقوم على قيم الذكورة وسلطة الأب، بل على قيم الأنوثة ومكانة الأم. فالمجتمع الإنساني الأول لم يؤسس بقيادة الرجل المحارب الصياد، بل تبلور تلقائياً حول الأم». ثم يتابع فيقول: «في المجتمع الأمومي، أسلم الرجل لقيادة المرأة، لا لتفوقها الجسدي بل لتقدير أصيل وعميق لخصائصها الإنسانية وقواها الروحية، وقدراتها الخالقة، وإيقاع جسدها المتوافق مع إيقاع الطبيعة. فإضافة إلى عجائب جسدها الذي بدا للإنسان القديم مرتبطاً بالقدرة الإلهية، كانت بشفافية روحها أقدر على التوسط بين عالم البشر وعالم الآلهة، فكانت الكاهنة الأولى والعرافة والساحرة الأولى. بهذه الأسلحة غير الفتاكة، مضى الجنس الأضعف قوة بدنية فتبوّأ عرش الجماعة دينياً وسياسياً واجتماعياً. وأمام هذه الأسلحة، أسلمت الجماعة قيادتها للأمهات. ولقد عزز الدور الاقتصادي للمرأة مكانتها هذه… فقد كانت بحق المنتج الأول في الجماعة، لكونها المسؤولة الأولى عن حياة الأطفال وتأمين سبل العيش لهم. كانت المرأة مسؤولة عن تحضير جلود الحيوانات وتحويلها إلى ملابس ومفارش وأغطية. كانت النسّاجة الأولى والخيّاطة، وأول من صنع الأواني الفخارية. وبسبب قضائها وقتاً طويلاً في البحث عن الجذور والأعشاب الصالحة للأكل تعلّمت خصائص الأعشاب السحرية في شفاء الأمراض، فكانت الطبيبة الأولى. ومن وجود شعلة النار المقدسة في معابد الحضارات المتأخرة، وقيام عذارى المعبد بحراستها والإبقاء عليها مشتعلة، نستطيع الاستنتاج بأن شعلة النار الأولى قد أوقدتها المرأة وكانت أول حارس عليها، حافظةً لأسرارها. وأخيراً توّجت المرأة دورها الاقتصادي الكبير باكتشاف الزراعة ونقل الإنسان من مجتمع الصيد والالتقاط إلى مجتمع إنتاج الغذاء، بينما حافظ الرجل طوال هذه المرحلة على دوره التقليدي في الصيد والتنقل بحثاً عن الطرائد الكبيرة». ويتابع الأستاذ سواح فيقول: «مرّ المجتمع الأمومي، عبر تاريخه الطويل، بمراحل متعددة انتهت بالانقلاب الكبير الذي قام به الرجل متسلّماً دفة القيادة من المرأة ومؤسساً للمجتمع الذكوري البطريركي». فكان الوارثَ لثروة أبيه والمُورث لثروته لأبنائه الذكور بعدما كانت الأم في النظام الأمومي تُوَرِّثُ أولادها ذكوراً وإناثاً («لغز عشتار»، ص 31 – 36).

والمجتمعات العربية ورثت هذه «الذهنية الأبوية»، الذهنية التي يصفها الدكتور هشام شرابي فيقول: «تتمثّل الأبوية الذهنية أوّل ما تتمثّل في نزعتها السلطوية الشاملة التي ترفض النقد ولا تقبل بالحوار إلا أسلوباً لفرض رأيها فرضاً. إنها ذهنية امتلاك الحقيقة الواحدة التي لا تعرف الشك ولا تقرّ بإمكانية إعادة النظر. ومن هذا المنطلق، فإن التفاعل والحوار (بين الأفراد والجماعات) لا يرمي إلى التوصل إلى تفاهم أو اتفاق بين وجهتَي نظر، بل إلى إظهار الحقيقة الواحدة وتأكيد انتصارها على وجهات النظر الأخرى. لهذا، فإن الذهنية الأبوية (والأبوية المستحدثة)، علمانية كانت أو دينية، لا تستطيع تغيير موقفها لأنها لا تعرف ولا تريد أن تعرف إلا حقيقتها، وفرضها على الآخرين، بالعنف والجبر إن لزم الأمر» (هشام شرابي، «النظام الأبوي وإشكالية تخلّف المجتمع العربي»، ص 16) وتمادت هذه المجتمعات في أبويّتها وتطرّفت في ذكوريّتها إلى درجة إلغاء دور المرأة وإخضاعها وتشويه شخصيتها: «يقوم حجر الزاوية في النظام الأبوي (والأبوي المستحدث) على استعباد المرأة. من هنا، كان العداء العميق والمستمر في لاوعي هذا المجتمع للمرأة ونفي وجودها الاجتماعي كإنسان والوقوف بوجه كل محاولة لتحريرها، حتى عن رفع شعار تحرير المرأة. هذا المجتمع لا يعرف كيف يعرّف ذاته إلا بصيغة الذكورية وصفتها. ليس للأنوثة من وظيفة فيه إلا تأكيد تفوّق الذكر وتثبيت هيمنته. من هنا، كانت العقبة المركزية في وجه التغيير الديموقراطي الصحيح في هذا المجتمع. ففي غياب المساواة بين الرجل والمرأة، ينتفي مبدأ المساواة إطلاقاً» (شرابي، المصدر نفسه). وقد تغالت هذه الذهنية وجنحت في أبويّتها وذكوريّتها إلى درجة الاغتصاب: «الاغتصاب الذكوري»، الذي يتحكّم بجميع نشاطات المجتمع السياسية، والثقافية، والاقتصادية. والإلغاء والإخضاع والتخوين هي ظواهر تطبع المسلكية الثقافية والسياسية للذهنية الأبوية.

تتساءل الشاعرة سعاد محمد الصباح («الحياة»، 27 آذار 1999): «لماذا لا نقفل ملف المرأة نهائياً؟… ففي هذا العصر الذي يمرّ في تحولات عميقة في ميادين التنمية والتخطيط والتصنيع، لا بد من الاستفادة من كل طاقات المجتمع. فليس في ميادين الفكر والعلم ذكر أو أنثى، وإنما هناك إنسان واحد يؤسس مجتمع العقل والعدل والمساواة. لماذا نقبل أن تجلس المرأة معنا في حجرة الطعام وحجرة الاستقبال، وتتقاسم الفراش والمرض والشيخوخة، ونرفض أن نعطيها مقعداً في قطار الدولة؟ لماذا نتغزّل بعينيها السوداوين طوال الليل، حتى إذا طلع الفجر شربنا فنجان قهوتنا بسرعة… وقرأنا جريدتنا بسرعة… ونسينا العينين… وصاحبة العينين؟… لماذا نكتب لها رسائل العشق قبل الزواج، حتى إذا تزوجنا، وضعناها في الإقامة الجبرية، وتصرّفنا معها كما يتصرّف الاستعمار مع شعوب أفريقيا؟… والمرأة مطلوب منها أن تكون ولوداً… وخصبة… وكثيرة النسل… إنهم يفضّلونها ساخنة… ولا يريدونها باحثة، أو عالمة، أو مفكرة. يفضلونها صامتة ولا يريدونها مجادلة… أو مناظرة… أو متحدثة. المرأة هي جدول المياه المهدورة، والطاقة الممنوعة من الطيران في أي اتجاه، ومنجم الذهب الذي لا يزال مخبوءاً في أحشاء الأرض». وتعتقد الكاتبة المغربية فاطمة المرنيسي بأن تنظيم مجتمعنا سمح للرجال بالتصرف بالنساء كأنهن من ممتلكاتهم الأخرى… فيجب المساواة بين المرأة والرجل… مساواة في الحقوق والواجبات، خارج المنزل وداخله… إذ تطالب بالقضاء على أحادية القطب الجنسي بإقامة حب حقيقي عارم بين القطبين يشبع الاحتياجات الجنسية والعاطفية والفكرية لكلا الطرفين.

عملية قتل الرجل للمرأة في المجتمعات الشرقية بشكل عام، وفي المجتمعات العربية بشكل خاص، ليست بالضرورة عملية قتل للجسد، لكنها عملية قتل للصورة والشخصية


يقول الأستاذ تركي علي الربيعو («الناقد»، «القبض على الإله»، عدد 71 عام 1994) إنه «في معظم ملاحم الخلق، يرتبط الشيطان بالمرأة». ويعطي مثلاً ارتباط «كانكو» قائد جيش الكلاب المسعورة والأفاعي والوحوش المروّعة بالإلهة الأم «تيامة» في الملحمة البابلية، وارتباط إبليس بحواء في القصص التوراتي. ويقول أيضاً إنه «في معظم ملاحم الخلق، يشكل العنف بنية الملحمة وهو عنف مؤسس ومقدس، يتطلّب ضحية» («الناقد»، «المذبحة السرية»، العدد 76 عام 1994). ويتابع: «المرأة خائنة وشريرة وماكرة، وهي لذلك موضوع للمراقبة البوليسية في الجانب السري العاطفي والجنسي من نشاطها في المجتمع». إنها أيضاً «فرد متنكر يهرب أو يتخفى من سلطة الرجل، خلف حجاب، فهي بالنسبة إليه مطلوبة لقانون عدالة غامضة»، ويتابع فيقول: «في قلب الصورة المكوّنة للمرأة في الذهن الأصولي، ثمة قتل هزلي جرى عبر التاريخ للمرأة»، في الوقت نفسه «اعتبرت قتل الذكر قتلاً مأسوياً»، وهي ذهنية شعبية طقوسية سبقت الإسلام بقرون. ويقال إن العرب «ربما عرفوا بالفعل عادة تقديم القرابين البشرية. والثابت مع هذا أن عبادة الإله، القمر (أدد)، تضمنت طقس وأد البنات، وهو طقس جاهلي، ألغاه الإسلام… ارتبطت الأنثى به، في الأساطير القديمة». وبهذا الخصوص يقول السواح في «لغز عشتار» إن «حياة المرأة الفيزيولوجية والسيكولوجية ذات طبيعة قمرية وإيقاع قمري، فهي مرتبطة بدورة شهرية معادلة لدورة القمر الذي يبدأ هلالاً في أول الشهر ليتلاشى في آخره». ومن جهة أخرى، يقال أيضاً إن كلمة وأد اشتقت من اسم الإله أدد.


ويتساءل الأستاذ الربيعو: «ترى كيف تم الإبقاء على مسألة قتل المرأة بعيداً عن محور الانتهاك الذي لم يكن ليجري إلّا داخل المجتمع كله وضده؟ هذا برغم أن القتل مثّل أقصى شكل من أشكال الاعتداء الذكوري الصريح والمكشوف». وعملية قتل المرأة من قبل الرجل في المجتمعات الشرقية بشكل عام، وفي المجتمعات العربية بشكل خاص، ليست بالضرورة عملية قتل للجسد، لكنها عملية قتل للصورة والشخصية.
وعملية قتل شخصية المرأة تظهر أكثر ما تظهر في التشويه الذي سببته الروايات العربية لشخصية الملكة السوريَّة – العربية زنوبيا؛ الملكة التي يتجاهلها النهج الأصولي رغم هوسه بالتاريخ والتراث. فالروايات العربية زعمت بأنها الزباء بنت أحد العمالقة العرب عمرو بن الظرب بن حسان بن أذينة بن السميدع بن هوبر، التي خَلفَتْ والدها في الملك بعدما قتله جذيمة الأبرش أحد ملوك الحيرة. وليس هناك شيء عن زوجها أذينة الذي شاركته في بناء أكبر إمبراطورية سوريَّة عربية قبل الإسلام. لا وليس هناك شيء عن الأسرة التي أنشأها، والتي كانت مثالاً للتربية الأخلاقية الحسنة ومثالاً للشجاعة والمناقب العالية. وقد صورت الروايات العربية هذه الملكة كامرأة ضعيفة خافت على ملكها وعمدت إلى الغواية لحماية عرشها وفي الثأر من عدوها وقاتل أبيها جذيمة ابن الأبرش (تاريخ الطبري، المجلّد الأول ص 360-369). أمّا روايات أعدائها فكانت أكثر إنصافاً، فالمؤرخ كورنيليوس يقول إنّ «زنوبيا كانت تعرف الآداب اليونانية، التي يبدو أنها تعلّمتها من لونغينوس الأديب الفيلسوف اليوناني الحمصي المولد» (نقولا زيادة، «عربيات» ص 87). يقول الكاتب المصري حسين أحمد أمين متعجباً: «إنه لأمر يدعو إلى الدهشة حقاً أن نلمس من المؤرخين العرب مثل ذلك الاستخفاف المشين بتلك الملكة العربية العظيمة، وذلك الإجلال والتوقير لها من جانب أعدائها الرومان ممن حاربتهم وجاهدت لسنوات عدة جهاداً دفع المؤرخ البريطاني الشهير إدوارد جيبون إلى القول في كتابه «تدهور الإمبراطورية الرومانية وسقوطها» إنه على رغم وفرة الملكات العظيمات في التاريخ الأوروبي، قديمه وحديثه، فإنه يقرّ بأن زنوبيا ملكة تدمر في القرن الثالث الميلادي ربما كانت أعظم ملكات التاريخ كله. وقال الأستاذ حسين أحمد أمين: «هذا التجاهل والاستخفاف بالملكة السورية زنوبيا… تعود جذوره إلى الجاهلية وإلى ما قبل الجاهلية بآلاف السنين»، وقد تبنّته بعض القوى الرجعية والأصولية والمسيحية والمحمدية.


وحسب قول أحد الكتّاب العرب (فهان كيراكوس، «الناقصات الفاتنات»، «الناقد»، عدد 76 عام 1994)، المرأة «هي التي يتكوّن الجنين في أحشائها، وتلد كما الأرض حين تعطي المحصول بعد اكتمال الجنين في أحشائها. فهي المرضعة وواهبة الحياة منذ الساعة الأولى للوليد. وهي التي تسهر جانب المهد وتناجي القمر والنجوم وكأنها المادة التي تربط السماء بالأرض أو الوسيط بين عالم الآلهة والبشرية». هذه المرأة هي الذبيحة التي يقدمها الذكر لخلاصه. هذا الموقف من المرأة لم يأتِ به الإسلام، ولا يوافق عليه. إنها مكونات شعبية خيالية سبقت الإسلام بقرون. إنه الحق الشهرياري الذي هو حق ذكوري تسلّل إلى ثقافتنا «الشعبية ونسج فكرتنا عن المرأة، وغدا واحداً من الرواسب الثقافية الصلبة، ولكن من دون أن تكون له صلة بالإسلام وفكره». القتل الشهرياري في ألف ليلة وليلة، والقتل الطقوسي للعذرية في ليلة الزفاف هو عنف ذكوري لا علاقة له بالإسلام ولا بأيّ دين آخر. هو موروث جاهلي لا إسلامي، وهو عنف استمر إلى يومنا هذا، لا بسبب الدين، ولكن بسبب الذهنية الذكورية السلطوية التي سيطرت، ليس على المرأة فقط، بل على كل طبقات المجتمع الثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية.
في مقالة للدكتور جابر عصفور في جريدة «الحياة» 29 تشرين الثاني عام 2000، وتحت عنوان «المشكلات الثقافية للمرأة العربية»، يقول إن المجتمع العربي «لا يزال ينظر إلى المرأة على أنها ناقصة عقل ودين، مستنداً في ذلك إلى مرويات نقلية وإلى تأويلات بشرية مغلوطة لنصوص دينية، وإلى نظرة متعصبة لتبرر كل شيء على أساس من الماضي».

إزاء هذا الواقع، أين تجد المرأة العربية مستقبلها؟
تقول الآية العشرون من سورة «الرعد»: «إن الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم»،
الحل مفهوم قومي علماني وديموقراطي للمجتمع، المرأة فيه تمثل نصف القوة البشرية، الإنتاجية والحضارية، للمجتمع، ولا يمكن النظر إليها كعنصر مزاحم للذكر، كما يزاحم الشيطان الإله، ولا يمكن إلغاء هذا النصف، لا ولا تهميشه. المرأة حاربت في الإسلام جنباً إلى جنب مع الرجل، وكتبت الشعر وامتهنت الفن. والأهم من ذلك حافظت على البنية التحتية للمجتمع وهي الأسرة، التي في معظم الأوقات كان الرجل بعيداً أو مشغولاً عنها. يقول الشاعر أدونيس: «المرأة ليست مجرد موضوع أو مجرد آخر بالنسبة إليّ، بل لا أستطيع تصوّرها إلا وفقاً للأسطورة القديمة عندما كان الرجل والمرأة وحدة لا انفصام بينهما، ثم حدثت الكارثة وانفصلا فأصبح ما يسوّغ وجودهما هو سعي كل منهما نحو الآخر، من أجل التوحد مرة أخرى» (أدونيس في حوار قاهري، منى عبد العظيم، «الحياة» 72 تموز 1999).
وفي الختام، لا بد من التسليم بأن الجوهر ليس التعابير والمظاهر التي تعبر عن العلاقة الروحية التي تربط بين الزوجين بعضهما ببعض، سواء كانت هذه التعابير حجاباً أو خاتماً أو غير ذلك، وإنما الجوهر هو العلاقة الروحية نفسها، وهي التي عُنيت بها الأديان السماوية. وإن حرية المرأة ككائن بشري عاقل كما هي حرية الرجل لا تتعارضان مع الحشمة، سواء ارتبطت هذه الحشمة بدين أو معتقد أو لم ترتبط. والحرية المتمرسة بالعقل ليست عدوّة للحشمة. والاثنتان ليستا خاصتين بجنس معين أو احتكاراً لدينٍ مُعيَّن. ولهذا، فإن الاعتداء الذكوري على حرية المرأة باسم الحشمة التي تعاني منها العائلة العربية ليس أقل سوءاً من الاعتداء الأنثوي على الحشمة باسم الحرية التي تعاني منها العائلة الغربية. فلا هذه حرية، ولا تلك حشمة. كلتاهما تمثّل موقفاً متطرّفاً يؤدّي بالعائلة إلى القلق والاضطراب، وبالمجتمع إلى الوهن والتخلخل.

*جورج يونان
كاتب وطبيب لبناني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *